كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
فلما رأى المعطلة ما قال الفلاسفة فرحوا به فرحا شديدا، وظنوا أنهم وقعوا على كنز ثمين، وأنهم عثروا على مفتاح السر الذي يتيح لهم حل الألغاز والمعميات فقالوا وما لنا لا نثبت هذا النوع من الوجود وان كنا لا نحسه ولا نراه، وليس عندنا عنه أثر ولا خبر.
الم يثبته قبلنا أرسطو وأفلاطون، وهما بلا شك أصح منا عقولا وأجود أذهانا، ولكنا لا نجعل هذا الوجود الكامل إلا للّه وحده ولا نصف به شيئا من هذه الموجودات الممكنة.
هذا هو أصل تلك الأكذوبة التي راجت وانتشرت حتى عمت الأرجاء والأقطار، وأفسدت بسمها المهلك كثيرا من العقائد والأفكار، وانخدع بها كثير من أهل الفضل والصلاح ممن لهم في علوم الحديث والآثار قدم راسخة، ولكن لا نقول الا كما قال موسى عليه السلام: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [الأعراف: 155].
أننا يا قوم معكم في أن اللّه ليس جسما بالمعنى الذي اصطلح عليه أهل الكلام والفلسفة، فهو ليس مركبا من تلك الجواهر المفردة التي يزعمها المتكلمون، ولا من الهيولى والصورة التي يهرف بها الفلاسفة، ولكنا مع ذلك لا نعقل موجودا ليس في مكان ولا حيز له ولا جهة ولا يشار إليه، ولا يوصف بقرب ولا بعد ولا اتصال ولا انفصال، الخ ما ذكرتموه من نعوت هذا الوجود الذي تسمونه مجردا، وهل من الضروري أن يكون وجود الرب على هذا النحو الذي يقتضي نفي كل صفة محضة، والا لكان جسما، أو ليس أحسن من ذلك وأقوم أن نثبت له سبحانه وجودا خاصا به هو أكمل من هذه الموجودات الممكنة، ويكون هذا الوجود قابلا للاتصاف بكل هذي الصفات على وجه لا يكون مماثلا لاتصاف المخلوق بها، بل لا يكون هناك تشابه ولا اشتراك الا في مسمى الاسم الكلي المتناول لافراد تلك الصفة المتباينة في وجودها العيني.