كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

و لنرجع بعد هذه المقدمة الى شرح كلام المؤلف، فهو يقول لهؤلاء النافين لاستوائه تعالى على العرش: أنتم توافقوننا على أن اللّه كان ولم يكن معه شي ء، ثم خلق هذه الموجودات الحادثة، فأين خلقها؟ هل خلقها خارج ذاته، فهي مباينة له منفصلة عنه أم خلقها داخل ذاته، بحيث تكون حالته فيه، لا بد لكم من القول بأحد هذين القولين ما دمتم تعتقدون أن هذه الموجودات هي غيره، فان كان موجودين اذا نسب أحدهما إلى الآخر، فأما أن يكون داخلا فيه أو خارجا عنه وليس هناك قسم ثالث الا اذا قلتم انها عينه، وأنه ليس هناك موجودان أحدهما خالق والآخر مخلوق، فلا بد لكم من أحدى هذه الخصال الثلاث، أما أن تقولوا انها خارجة عنه، أو تقولوا انها حالة فيه، أو تقولوا أنها عينه، ودعوكم من هذا الروغان، فإنها قسمة حاضرة تقتضيها ضرورة العقل، ولا يجد المصنف محيصا عنها.
و لهذا ذهب ابن عربي واتباعه من أصحاب مذهب الوحدة الى القسم الثالث، وهو ان اللّه عز وجل هو عين هذه الأكوان، وليس هناك مباينة أصلا بين وجوده ووجودها، وليس هو مجانبا لها، بل هو هذا الوجود بعينه وعيانه.
ان لم يكن فوق الخلائق ربها ... فالقول هذا القول في الميزان
إذ ليس يعقل بعد الا أنه ... قد حل فيها وهي كالابدان
والروح ذات الحق جل جلاله ... حلت بها كمقالة النصراني
فأحكم على من قال ليس بخارج ... عنها ولا فيها بحكم بيان
بخلافه الوحيين والاجماع والعق ... ل الصريح وفطرة الرحمن
فعليه أوقع حد معدوم وذا ... حد المحال بغير ما فرقان
الشرح:
بعد ما بين المؤلف أن النسبة بين اللّه عز وجل وبين هذه الموجودات لا يمكن أن تخرج عن هذه الصور الثلاث، أما الانفصال والمباينة، وأما الحلول والمداخلة، واما نفي الغيرية وابطال الاثنينية بينهما، والقول بأن وجودهما واحد

الصفحة 189