كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

قال بعد ذلك فإذا لم يقل الجهمي بأن اللّه فوق عرشه مباين لخلقه، كان عليه حينئذ أن يقول بما ذهب إليه أصحاب وحدة الوجود من أن الوجود واحد وأن وجود الرب هو عين هذه الموجودات، أو ليس له بعد رفض هذين القولين الا ان يقول بما ذهب إليه الحلولية من أن العالم جسم كبير، وأن ذات اللّه عز وجل هي الروح السارية في هذا الجسم لحلول روح الحيوان في بدنه، وذلك مثل ما قالته النصارى في عيسى عليه السلام حيث زعموا أن اللّه حل فيه، وأن اللاهوت وهو اللّه قد اتحد بالناسوت، يعنون جسد عيسى، فصار الكل إلها واحدا، واذا تبين أن الأمر لا يخلو عن أحد من هذه الفروض الثلاثة، فمن زعم أن اللّه ليس بخارج عن هذه الموجودات وليس بحال فيها، فقد نفي وجوده سبحانه ووصفه بصفات المعدوم الممتنع، وكان بذلك مخالفا للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومناقضا لحكم العقل الصريح وحكم الفطرة السليمة التي فطر اللّه عليها سائر خلقه.
يا للعقول اذا نفيتم مخبرا ... ونقيضه هل ذاك في امكان
ان كان نفي دخوله وخروجه ... لا يصدقان معا لذي الامكان
الا على عدم صريح نفيه ... متحقق ببداهة الانسان
أ يصح في المعقول يا أهل النهى ... ذاتان لا بالغير قائمتان
ليست تباين منهما ذات لأخ ... رى أو تحاثيها فيجتمعان
ان كان في الدنيا محال فهو ذا ... فارجع الى المعقول والبرهان
الشرح:
يعجب المؤلف من سخافة عقول هؤلاء المعطلة النفاة في قولهم أن اللّه ليس داخل العالم ولا خارجه، مع أن الدخول والخروج نقيضان والنقيضان يستحيل في العقل ارتفاعهما معا، كما يستحيل اجتماعهما معا، بل لا بد من ثبوت أحدهما وانتفاء الآخر، فإذا استحال أن يكون اللّه داخل العالم لتنزهه عن الحلول في خلقه وجب ان يكون خارجه، بأن يكون فوقه عاليا عليه، وانما يصدق نفي النقيضين معا على المعدوم الصريح الذي تحكم بديهة العقل بامتناعه، فهو الذي

الصفحة 190