كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
و أما الفوق المجرد عن الاقتران بمن فهو قد يقبل التأويل، ولكن لا يقبله إلا بدليل، لأن الأصل هو الحقيقة، فلا يصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلا بقرينة صارفة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، فإذا ادعى الخصم ان قرينة العقل هي التي أوجبت ذلك الصرف لاستحالة الفوقية الحسية، قلنا هذه القرينة معارضة عندنا بضرورة العقل القاضية بأن كل موجودين إذا نسب أحدهما إلى الآخر، فأما أن يكون متداخلين أو متباينين، وإذا كانا متباينين فلا بد أن يكون أحدهما في جهة من الآخر.
و قد ذكر المؤلف هنا فائدة جليلة ينبغي التنويه بها وهي اعتبار سياق الكلام في تحديد مدلولات الألفاظ، فإذا جاء السياق يبدي المراد للمخاطب أصبح كالنص في افادة القطع وعدم قبول التأويل، فبعض الألفاظ قد يكون محتملا لأكثر من معنى، ولكن سياق الكلام هو الذي يعين المراد باللفظ من هذه المعاني، فسياق الألفاظ مثل شواهد الأحوال كل منهما قرينة تعين المعنى المقصود إلا أن هذه قرينة مرئية بالعيان وهذه قرينة مسموعة بالآذان.
فإذا أتى التأويل بعد سياقة ... تبدي المراد أتى على استهجان
وإذا أتى الكتمان بعد شواهد ال ... أحوال كان كأقبح الكتمان
فتأمل الألفاظ وانظر ما الذي ... سيقت له ان كنت ذا عرفان
والفوق وصف ثابت بالذات من ... كل الوجوه لفاطر الأكوان
لكن نفاة الفوق ما وافوا به ... جحدوا كمال الفوق للديان
بل فسروه بأن قدر اللّه أع ... لى لا بفوق الذات للرحمن
قالوا وهذا مثل قول الناس في ... ذهب يرى من خالص العقبان
هو فوق جنس الفضة البيضاء لا ... بالذات بل في مقتضى الأثمان
والفوق انواع ثلاث كلها ... للّه ثابتة بلا نكران
هذا الذي قالوا وفوق القهر وال ... فوقية العليا على الاكوان