كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
و كذا اختصاص كتاب رحمته بعند اللّه فوق العرش ذو تبيان
لو لم يكن سبحانه فوق الورى ... كانوا جميعا عند ذي السلطان
ويكون عند اللّه إبليس وجبريل هما في العند مستويان وتمام ذاك القول أن محبة الرحمن عين إرادة الأكوان
وكلاهما محبوبه ومراده ... وكلاهما هو عنده سيان
الشرح:
هذا هو الوجه العاشر، ويقوم على ما وردت به النصوص من الكتاب والسنة، من اختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده سبحانه، فمن الكتاب قوله تعالى في شأن الملائكة: ومَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء: 19] وقوله في شأنهم أيضا: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت: 38] وقوله تعالى في أهل الجنة: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 54، 55] ومن السنة مثل قوله عليه الصلاة والسلام «ان اللّه كتب كتابا فهو عنده فوق العرش ان رحمتي سبقت غضبي».
فهذا من أعظم الأدلة على علوه تعالى على خلقه، فتكون بعض مخلوقاته أقرب إليه من بعض، إذ لو لم يكن كذلك لما كان هناك معنى لاختصاص بعضها بالقرب منه، بل تكون جميعا عنده سواء، بل يكون أقربها وهو جبريل عليه السلام بمنزلة، أبعدها وهو إبليس في تلك العندية، وهذا لازم للجهمية الذين نفوا علوه تعالى ومنعوا نسبة العباد إليه بالقرب والبعد، وجعلوا نسبتهم إليه نسبة واحدة، وزعموا أن محبته عين ارادته. وأن كل ما أراده اللّه فقد أحبه، فلزمهم على هذا أن يكون كل من جبريل وابليس مرادا له ومحبوبا، وأن يكون كلاهما سواء عنده والحق أن محبته سبحانه غير ارادته للأشياء بالارادة الكونية القدرية، لأن المحبة انما تتعلق بما يأمر اللّه به عباده ويريده منهم شرعا، وهذا ليس بلازم أن يقع فقد لا يريده اللّه كونا وقدرا، وأما الإرادة الكونية فتتعلق بكل كائن. سواء كان مما يحبه اللّه ويرضاه، أو كان مما يبغضه ويسخطه.