كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
فصل
هذا وثالث عشرها اخباره ... انا نراه بجنة الحيوان
فسل المعطل هل نرى من تحتنا ... أم عن شمائلنا وعن أيمان
أم خلفنا وأمامنا سبحانه ... أم هل نرى من فوقنا ببيان
يا قوم ما في الأمر شي ء غير ذا ... أو أن رؤيته بلا إمكان
اذ رؤية لا في مقابلة من الرائي محال ليس في الامكان ومن ادعى شيئا سوى ذا كان دعواه مكابرة على الأذهان الشرح:
هذا هو الوجه الثالث عشر وهو ما وردت به النصوص الصريحة من الكتاب والسنة بأن المؤمنين يرون اللّه عز وجل يوم القيامة في الجنة قال تعالى:
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ [يونس: 26] وقد صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه فسر تلك الزيادة بأنها النظر الى وجه اللّه- وقال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 23] وقال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
__________________________________________________
يقصده. وملجأ يلجأ إليه، وأما تعبده باسمه (الباطن) فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته، ويكل اللسان عن وصفه، فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل مخلصة من فرث التشبيه، منزهة عن رجس الحلول والاتحاد، وعبارة مؤدبة للمعنى، كاشفة عنه، وذوقا صحيحا، سليما من أذواق أهل الانحراف.
و باب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة عظمة الرب سبحانه، واحاطته بالعالم، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السموات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد قال تعالى: وإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء: 60] وقال: واللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: 20] ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين، الدالين على هذين المعنيين، اسم العلو الدال على أنه (الظاهر) وأنه لا شي ء فوقه، واسم العظمة الدال على الاحاطة، وأنه لا شي ء دونه كما قال تعالى: وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ وقال تعالى: وهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وقال: ولِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 115] وهو تبارك وتعالى كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شي ء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شي ء، بل ظهر على كل شي ء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شي ء من نفسه، وهو محيط به، حيث لا يحيط الشي ء بنفسه، وكل في قبضته، وليس شي ء في قبضة نفسه، فهذا أقرب لاحاطة العامة.