كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

نطقت به آيات الكتاب الكريم، ووردت به الأخبار الصحيحة، من اتيانه عز وجل ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين العباد، كقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ والْمَلائِكَةُ وقُضِيَ الْأَمْرُ [البقرة:
210] يعني ما ينتظر هؤلاء الا وقوع ذلك الأمر العظيم، وهو أن يأتيهم اللّه في ظلل الغمام وتأتي معه الملائكة وقضي الأمر، يعني فرغ من حسابهم، وعطف الملائكة هنا على اللّه ينفي تأويل المعطلة بأن الاتيان للملك، فهو كقوله:
وَ جاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] ولكن قد يقول المعطل ان اتيان الرب عز وجل هو اتيان امره كما في قوله تعالى في سورة النحل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل: 33] فيرد عليه بتلك الآية التي تأخذ بخناقه ولا يجد لتأويلها مساغا أعني قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ [الأنعام: 158] فان الترديد هنا بين اتيان الرب والملائكة، والآيات أوضح دليل على ان المراد مجي ء ذاته لا أمره، فإنه مذكور بين الأمرين الآخرين وهما مجي ء الملك والآيات، فكيف يجوز تأويله بأحدهما، واذا ثبت مجي ء الرب وإتيانه جل شأنه بهذه الآية القاطعة، فمن أين يأتي اذا؟ والجهات المعروفة ست، هي الفوق والتحت، واليمين والشمال، والأمام والخلف، فليقل لنا هؤلاء المعطلة أي هذه الجهات يختارون ليكون منها مجي ء الرب واتيانه، لا يعقل أبدا أن يجيئهم من تحتهم- تعالى اللّه عن ذلك- وكذلك لا يعقل أن يجيئهم من خلفهم ولا من أمامهم، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، فلم يبق الا أن يأتيهم من العلو المطلق الذي هو فوق الأمكنة جميعا.
فصل في الاشارة الى ذلك من السنة
وأكثر حديثا في الصحيح تضمنت ... كلماته تكذيب ذي البهتان
لما قضى اللّه الخليقة ربنا ... كتبت يداه كتاب ذي الاحسان

الصفحة 273