كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
و أشياعه على هذا النفي الا شبه واهية يسمونها عقلية، وهي جهليات لا تغني من الحق شيئا كقولهم: اذا كان اللّه في جهة كان محدودا ومتحيزا وذا صورة، ويمكن أن يشار إليه بالاشارة الحسية وهذا من خواص الاجسام.
و الجواب ما قدمناه من أن استواءه تعالى على العرش ليس كاستواء المخلوق على المخلوق، فلا يلزمه ما يلزمها، على أن ما ذكروه من اللوازم ليس كله فاسدا، كالحد والتحيز والصورة والاشارة الحسية الخ، وادعاؤهم أن هذا من لوازم الأجسام أن أرادوا تلك الأجسام الاصطلاحية التي هي مركبة عندهم، أما من الجواهر الفردة على رأي المتكلمين أو الهيولي، والصورة على رأي الفلاسفة فممنوع، وانما هي من خواص كل موجود قائم بنفسه وله وجود مستقل، اذ لا يعقل وجود بدون هذه اللوازم، ولأجل التأويل أيضا جحد الجهم وأشياعه صفات اللّه عز وجل من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام وغيرها. وقالوا لا نصفه بصفة المخلوق، ومنهم من أثبت بعضا ونفى بعضا على اختلاف مذاهبهم في التجهم والتعطيل، وكل من نفى صفة من الصفات اضطر الى تأويل ما ورد في اثباتها من النصوص، ولا متمسك لهم على هذا النفي أيضا الا ادعاؤهم أن الاثبات يقتضي المماثلة بين اللّه عز وجل وبين خلقه، وهو وهم فاسد، فإن الاثبات لا يستلزم المماثلة، بل يثبت للخالق من ذلك ما يليق به ويثبت للمخلوق ما يليق به، فليس العلم كالعلم، ولا القدرة كالقدرة، وليست اليد كاليد ولا العين كالعين، وليس الاستواء كالاستواء ولا النزول كالنزول الخ. فان الاشتراك انما هو في مسمى الاسم الكلي، وذلك يستلزم التماثل بين أفراده في الخارج، ألا ترى أن الوجود الكلي يشترك فيه الواجب والممكن، وليس وجود الواجب في الخارج يماثل وجود الممكن، وهكذا، ولأجل التأويل ذهب الجهم الى القول بفناء الجنة والنار، وهي مقالة لم يقلها في الاسلام غيره.
و قال هو ومن تبعه من المعتزلة والأشاعرة ان اللّه لم يكن فاعلا في الأزل ثم صار فاعلا، أي انه لم يزل معطلا عن الفعل مدة لا نهاية لها من الزمان قبل أن