كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
يخلق هذا العالم، ثم ابتدأ الخلق، وكان هذا مما أعان الفلاسفة عليهم حيث أوردوا عليهم أنه يلزم حدوث شي ء في ذاته اقتضى الفعل بعد أن لم يكن مقتضيا، كأن كان عاجزا فقدر، أو كان فاقدا لآلة فوجدها، أو كان غير مريد للفعل ثم أراد الخ.
فإن قلتم أن الإرادة قديمة والقدرة موجودة في الأزل وجميع الشرائط المعتبرة في الفعل مستكملة، فما الذي منعه من أن يفعل وليس لكم أن تقولوا ان الإرادة القديمة إنما تعلقت بالايجاد في هذا الوقت دون غيره، فان الأوقات كلها متساوية بالنسبة للارادة في الأزل وليس وقت منها أولى من غيره، ولأجل التأويل أيضا نفي الجهم وأشياعه من الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة الحكمة عن فعله تعالى، وقالوا أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والغايات، فإن الفاعل لغرض مستكمل، وتوهموا أن اثبات غاية باعثة له عز وجل على الفعل نقص يجب تنزيه اللّه تعالى عنه، وجوزوا ترجيح القادر لأحد الأمرين المتساويين بلا مرجح، وفاتهم أن مثل ذلك يكون عبثا يستحيل صدوره عن اللّه عز وجل، على ان الغايات والمصالح التي من أجلها يفعل ربنا سبحانه ظاهرة متجلية في كل ما خلقه أو أمر به، والقرآن والسنة فيهما الكثير من تلك الحكم التي لا ينكرها الا مكابر مثل قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: 7] ومثلها قوله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] ومثل قوله جل وعلا: وكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143] ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ولكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 6] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْ ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ ورِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: 94] وما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [البقرة: 143] ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ