كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

فيما نفيتم مما أثبته اللّه ورسوله نظير قولكم فيما أثبتموه، وإذا فلا مناص من أحد أمرين: أما ترك المراء والجدل والتصريح بمذاهب قدماء الطبيعيين من الفلاسفة في جحد الصانع والانسلاخ من الإيمان أو الانضواء تحت لواء المجسمة أهل القرآن والقتال معهم، فهذا أولى من التلاعب بالعقول وبالنصوص وبما أجمعت عليه سائر الملل والشرائع من اثبات صفاته وكلامه وعلوه على خلقه ببيان شاف ولفظ صريح.
فأصنع من التنزيه ترسا محكما ... وانف الجميع بصنعة وبيان
وكذاك لقب مذهب الاثبات ... بالتجسيم ثم احمل على الأقران
فمتى سمحت لهم بوصف واحد ... حملوا عليك بحملة الفرسان
فصرعت صرعة من غدا متليطا ... وسط العرين ممزق اللحمان
فلذاك أنكرنا الجميع مخافة ... التجسيم ان صرنا إلى القرآن
ولذا خلعنا ربقة الأديان من ... أعناقنا في سالف الأزمان
الشرح:
وإذا كان الغلب لأهل الاثبات لا تساق مذهبهم ومطابقته للنصوص الصريحة فلا بد اذن من اعمال الحيلة للتغلب عليهم، وذلك بأن نسمي النفي والتعطيل تنزيها، وأن نتخذ من هذا التنزيه ترسا محكما وسياجا قويا، فنعمد بواسطته إلى نفي جميع الأسماء والصفات بطريقة فنية تتسم بأحكام الصنعة واجادة البيان حتى يروج كلامنا عند الناس، وعلينا كذلك أن نشنع على أهل الاثبات، وننفر الناس منهم فنلقبهم بأهل التجسيم ثم نحمل عليهم حملة قوية في دفع مذهبهم والتشغيب عليهم في كل ما أثبتوه دون أن نبدي لهم ملاينة أو مهادنة، فإننا متى سمحنا لهم بإثبات وصف واحد حملوا علينا حملة نكراء وألزمونا، أما اثبات الكل أو نفي الكل، فعدونا صرعى في الميدان، كمن غدا قتيلا وسط العرين، وهو بيت الأسد ممزق الأوصال. وهذا هو الذي حدا بنا إلى انكار جميع المذاهب مخافة الوقوع في التجسيم ان صرنا إلى القرآن وأخذنا

الصفحة 91