كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

كتاب اللّه عن أن يكون هدى وبيانا وشفاء كما وصفه اللّه حيث يقول: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 138] وحيث يقول:
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة: 15] وحيث يقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57] الخ ذلك من الآيات.
يا ويح جهم وابن درهم والألى ... قالوا بقولهما من الخوران
بقيت من التشبه فيه بقية ... نقضت قواعده من الأركان
ينفي الصفات مخافة التجسيم لا ... يلوي على خبر ولا قرآن
ويقول أن اللّه يسمع أو يرى ... وكذاك يعلم سر كل جنان
ويقول أن اللّه قد شاء الذي ... هو كائن من هذه الأكوان
ويقول أن الفعل مقدور له ... والكون ينسبه إلى الحدثان
وبنفيه التجسيم يصرح في الورى ... واللّه ما هذان متفقان
لكننا قلنا محال كل ذا ... حذرا من التجسيم والامكان
الشرح:
يتحسر هذا الملحد على اثنين من أسلافه، وهما الجهم بن صفوان والجعد بن درهم ومن ذهب مذهبهما حيث منعهم الجبن والخور من التصريح بالنفي والإنكار، فبقيت فيهم بقية من تشبيه أتت على مذهبهم من القواعد، فهم ينفون الصفات مخافة التجسيم دون أن يكترثوا لما جاء من النصوص في الكتاب والسنة بإثباتها، ثم هم مع ذلك يثبتون له السمع والرؤية والعلم بما تخفيه الصدور وتسره القلوب، ويثبتون له كذلك المشيئة العامة والقدرة الشاملة فلا يخرج كائن عندهم عن مشيئته، ولا يحدث إلا بقدرته، ويقولون أن الفعل مقدور له، وأن العالم بجميع أجزائه حادث بعد عدم، وأن اللّه أوجده بمشيئته وقدرته، فكيف يتفق هذا الاثبات مع تصريحهم بنفي التجسيم واللّه ما هذان متفقان.

الصفحة 97