كتاب السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير (اسم الجزء: 1)

(واقلوا الخروج) أي من منازلكم (إذا هدأت) بفتحات أي سكنت (الرجل) بكسر الراء أي سكن الناس من المشي بأرجلهم في الطرق (فإن الله عز وجل يبث) أي يفرق وينشر (في ليله من خلقه ما يشاء) من أنس وجن وهوام وغيرها (وأجيفوا الأبواب) أي اغلقوها (واذكروا اسم الله عليها) فهو السر المانع (فإن الشيطان لا يفتح بابا اجيف) أي اغلق (واذكر اسم الله عليه وغطوا الجرار) بكسر الجيم جمع جرة وهو إناء معروف (واوكثوا القرب) بالقطع والوصل وكذا ما بعده جمع قربة وهو وعاء الماء أي اربطوا فم القربة (واكفئوا الآنية) لئلا يدب عليها شيء أو تتنجس (حم خدد حب ك) عن جابر ابن عبد الله وهو حديث صحيح (إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم) أيها المؤمنون الكاملون الإيمان الذين استنارت قلوبهم (وتلين له أشعاركم) جمع شعر (وأبشاركم) جمع بشرة (وترون أنه منكم قريب) أي تعلمون أنه قريب من أفهامكم (فأنا أولاكم به) أي أحق بقربه إلي منكم لأن ما أفيض على قلبي من أنوار اليقين أكثر من المرسلين فضلًا عنكم (وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد منكم فأنا أبعدكم منه) فالأول علامة على صحة الحديث والثاني علامة على عدمها (حم ع) وكذا البزار (عن أبي أسيد) بفتح الهمزة (أو أبي حميد) قال المناوي رجاله رجال الصحيح (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه) قال المناوي أي يحرك عليكم ذلك لأن الإقدام عليه جراءة على خطر وإيقاع للنفس في التهلكة والشرع ناه عن ذلك قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال الشيخ النهي للتنزيه (وإذا وقع وأنتم في أرض فلا تخرجوا منها فرارا) أي بقصد الفرار منه فإن ذلك حرام لأنه فرار من القدر وهو لا ينفع والثبات تسليم لما لم يسبق منه اختيار فيه قال الشيخ فلا يشكل بالنهي عن الدخول فإن لم يقصد فرارا بل خرج لنحو حاجة لم يحرم وقال العلقمي قال ابن العربي في شرح الترمذي حكمة النهي عن القدوم وأن الله تعالى أمر أن لا يتعرض للحتف إلى الهلاك والبلاء وإن كان لا نجاة من قدر الله تعالى إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه الله تعالى ولئلا يقول القائل لو لم أدخل لم أمرض ولو لم يدخل فلان لم يمت وقال ابن دقيق العيد الذي يترجح عندي في الجمع بين النهي عن الفرار والنهي عن القدوم أن الإقدام عليه تعرض للبلاء ولعله لا يصبر عليه وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكل فمنع ذلك لاغترار النفس ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقيق وأما الفرار فقد يكون داخلا في باب التوكل في الإثبات متصورا بصورة من يحاول النجاة مما قدر عليه فيقع التكليف في القدوم كما يقع التكليف في الفرار فأمر بترك التكليف فيهما إذ فيه تكليف النفس ما يشق عليها ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا فأمرهم بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء وخوف الاغترار بالنفس إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لأمر الله

الصفحة 138