كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 100 """"""
ولقد استوفيت أمد الصبا والصبابة ، واستنبت الحسرة عليها والكآبة . فرزيَّتُك راسية والرزايا سوائر ، ومصيبتك ثابتة والمصائب عوائر . " إنا لله وإنا إليه راجعون " . ثم لا حيلة ، فإنها الأيام التي لا تثبت على حاله ، ولا تعرف غير التنقل والاستحالة فآجرك الله في وجه نضب ماؤه ، وذهب رواؤه ومات حياؤه وفي ضيعة استأجم برُّها ، واستدغل نورها ؛ وأسبع طريقها ، واتسعت تنوفتُها وفي جاه كان عامراً فخرب ، ودخل كان وافراً فذهب ، وتذكار كان واصلاً إلى القلوب فحُجب فأصبحت مسبوق السكِّيت ، وظللت حياً وأنت الميت ؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله من محنٍ دُفعت إليها ، ولم تُعن بحال عليها .
وقد يشغل الإنسان عن نوائبه المشاركون فيها ، ويسلِّيه عنها المساهمون في معنى معانيها ؛ وأنت من بين هذه المنزلة لا شريك لك ، فإنهم يعتاضون عنها ولست بمعتاض ، ويركضون للعيش ولست بركَّاض . والدهر يطوي محاسنك طيَّ السجلِّ كتابه ، وينشر مقابحك نشر اليماني أثوابه . ويملُّ الطرف رؤيتك فلا يُفيق عليك جفناً ، ويمجُّ السمع ذكرك فلا يجد عنده أذناً .
ومنها : وقد جعلت رُقعتي هذه جامعةً بين البكاء عليك والأنين ، وناظمةً بين العزاء والتأبين . لها حلاوة النثر ، وعليها طلاوة الشعر . نتجتْها قريحةٌ عليك ، ونسجتها خواطر خاطرت إليك ؛ تخفِّف غرامك والناس مشاغيل بتثقيله ، وتكرم مكانك والإجماع واقع على تهوينه . فإن عرفت لي ذاك ، وإلا عرفه الصِّندق ؛ وإن شكرنه ، وإلا شكره الحق .
والسلام عليك من أسير لا يخلص بالفدية ، وقتيل بسيف السِّبال واللحية . "

الصفحة 100