كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 142 """"""
سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ، ويهيم بها تسمَّى عشقاً فقال له ثمامة : يا يحيى ، أنت بمسائل الفقه أبصر منك بهذا ، ونحن بهذا أحذق منك فقال المأمون : فهات ما عندك فقال : يا أمير المؤمنين ، إذا امتزجت خواطر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضيء به نواظر العقول ، ويتصوّر من ذلك اللمح نور خاص بالنفوس متصل بجواهرها يسمَّى عشقاً فقال له المأمون : صدقت ، هذا وأبيك الجواب وحكيعن الأصمعيّ ، قال : دخلت على هارون الرشيد ، فقال : يا أصمعيّ ، إني أرقت ليلتي هذه ، فقلت : ممّ ؟ أنام الله عين أمير المؤمنين ، قال : فكَّرت في العشق ممَّ هو ، فلم أقف عليه ، فصفه لي حتَّى أخاله جسماً مجسماً قال الأصمعيّ : لا والله ما كان عندي قبل ذلك فيه شيء فأطرقت مليّاً ، ثم قلت : نعم يا سيدي ، إذا تقاربت الأخلاق المشاكلة وتمازجت الأرواح المشابهة ، لمح نورٌ ساطع يستضيء به العقل ، وتهتز لإشراقه طباع الحياة ، ويتصوّر من ذلك النور خُلُق خاص بالنفس متصل بجوهريتها يسمَّى العشق فقال : أحسنت والله يا غلام ، أعطه وأعطه وأعطه فأعطيت ثلاثين ألف درهم .
وحكي عن الأصمعيّ أنه قال : لقد أكثر الناس في العشق ، فما سمعت أوجز ولا أجمل من قول أعرابية وقد سئلت عن العشق فقلت : ذلٌّ وجنونٌ . قلت : هذه صفة ثمرة العشق ومآله .
والتحقيق أن العشق شدّة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها ، فإذا قوي فكرها فيه تصوّرت حصولها وتمنت ذلك ، فيجدد من شدّة الفكر مرضٌ .
وقيل لبعضهم : ما العشق ؟ فقال : ارتياح في الخلقة ، وفرح يجول في الرُّوح ، وسرور ينساب في أجزاء القوى .

الصفحة 142