كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 143 """"""
وقال أبو العيناء : سألت أعرابياً عن الهوى ؛ فقال : هو أظهر من أن يخفى ، وأخفى من أن يُرى ، كامنٌ ككمون النار في الحجر ، إن قدحته أورى ، وإن تركته توارى .
وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبة ، فقال : التي لا تزيد بالبر ، ولا تنقص بالجفاء .
وسئل بعض الصوفية عن الهوى والمحبة فقال : الهوى يحلّ في القلب ، والمحبة يحلّ فيها القلب .
وللعشق مراتب من ابتدائه إلى انتهائه .
ذكر مراتب العشق وضروبه
قالوا : أوّل ما يتجدّد الاستحسان للشخص تحدُث إرادة القرب منه ، ثم المودّة ، وهو أن يودّ لو ملكه ، ثم يقوى الودّ فيصير محبة ، ثم يصير هوىً فيهوي بصاحبه في محابِّ المحبوب من غير تمالك ، ثم يصير عشقاً ، ثم يصير تتيُّماً والتتيّم حالة يصير بها المعشوق مالكاً للعاشق لا يوجد في قلبه سواه ، ثم يزيد التتيّم فيصير ولهاً والوله الخروج عن حدّ الترتيب ، والتعطيل عن أحواله التمييز .
وقال بعضهم : أوّل مراتب العشق الميل إلى المحبوب ، ثم العلاقة ، ثم الحب ، ثم يستحكم الهوى فيصير مودّة تزيد بالمؤانسة ، وتدرس بالجفاء والأذى ، ثم الخُلَّة ، ثم الصَّبابة وهي رقة الشوق تولدها الألفة ، ويبعثها الإشفاق ، ويهيجها الذكر ، ثم يصير عشقاً . وهو على أضرب . فمبدؤه يصفي الذهن ، ويهذِّب العقل . كما قال ذو الرياستين لأصحابه : اعشقوا ، ولا تعشقوا حراماً فإن عشق الحرام يطلق اللسان ويرفع التبلّد ويطلق كفّ البخيل ويبعث على النظافة ويدعو إلى الذكاء ، فإذا زاد ؛ مرض الجسد ، فإذا زاد ؛ أخرج العقل وأزال الرأى فاستهلك ، ثم يترقَّى