كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
ذكر ما قيل في لفرق بين المحبة والعشق
قالوا : المحبة جنس ، والعشق نوع . فإن الرجل يحب أباه وأمه ، ولا يبعثه ذلك على تلف نفسه ، بخلاف العاشق .
وقد حكي أن بعض العشاق نظر إلى جارية كان يهواها ، فارتعدت فرائصه وغُشي عليه ، فقيل لبعض الحكماء : ما الذي أصابه ؟ فقال : نظر من يحبُّه ، فانفرج قلبه ، فتحرّك الجسم لانفراج القلب فقيل له : فنحن نحب أهالينا ولا يصيبنا ذلك فقال : تلك محبة العقل ، وهذه محبة الرُّوح وقالوا : كل عشق يسمَّى حُبّاً ، وليس كل حب يسمَّى عشقاً . لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة ، كما أن السَّرف اسم لما جاوز الجود ، والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد ، والجبن اسم لما فضل عن شدّة الاحتراس ، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة .
قال الشاعر :
ثلاثةُ أحبابٍ : فحبٌّ علاقةٌ ، . . . وحُبٌّ تملاَّقٌ ، وحُبٌّ هو القتلُ
وأما سبب العشق وما قيل فيه ، فقالوا : سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها فتستحسنه وتميل إليه . وأكثر أسباب المصادفة النظر . ولا يكون ذلك باللمح ، بل بالتثبت في النظر ومعاودته بالنظر ، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس ، ورامت التقرب منه ، وتمنَّت الاستمتاع به . فيصير فكرها فيه ، وتصويرها إياه في الغيبة حاضراً ، وشغلها كله به ، فيتجدّد من ذلك أمراضٌ لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى . وكلما قويت الشهوة البدنية ، قوي الفكر في ذلك . وقد أمر الله عز وجل بغضِّ البصر فقال : " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظَوا فُرُوجَهُمْ " " وَقُلْ لِلْمُؤمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ " . فقرن غض البصر بحفظ الفرج ، لأنه يسببه ويؤول إليه .

الصفحة 145