كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 147 """"""
وقال ذو النون : اللَّحظات تورث الحسرات : أوّلها أسفٌ ، وآخرها تلفٌ . فمن تابع طرفه ، تابع حتفه .
وقال حكيم : أوّل العشق النظر ، وأوّل الحريق الشَّرر .
وقال أبو الفرج بن الجوزيّ : البصر صاحب خبر القلب . ينقل إليه أخبار المبصرات ، وينقش فيه صورها ، فيجول الفكر فيها فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة . فاحذر من شر النظر فكم أهلك من عابد ، وفسخ عزم زاهد وهو سبب الآفات ، إلا أن علاجه في بدايته قريب . فإذا كرر تمكن الشرّ فصعب علاجه . فإن النظرة إذا أثَّرت في القلب ، فإن أعجل الحازم بغضها وحسم المادّة من أوّلها سُهل علاجه ، وإن كرر النظر نقَّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرّغ ونقشها فيه . فكلما تواصلت النظرات كانت كالمياه تسقى بها الشجرة ، فلا تزال تنمو فيفسد القلب ، ويُعرض عن الفكر فيما أُمر به ، ويخرج بصاحبه إلى المحن ، ويوجب ارتكاب المحظورات ، ويلقى في التلف . وقد أكثر الشعراء في وصف ما يحدثه النظر من البلايا ، فمن ذلك ، قول الفرزدق :
تزوّد منها نظرةً لم تدع له . . . فؤاداً ، ولم يشعر بما قد تزوّدا .
فلم أر مقتولاً ولم أر قاتلاً . . . بغير سلاح مثلها حين أقصدا .
وقال إبراهيم بن العباس بن صول الكاتب :
فمن كان يُؤتى من عدوٍّ وحاسدٍ ، . . . فإنِّي من عيني أُتيت ومن قلبي
هما اعتوراني نظرةً ثم فكرةً ، . . . فما أبقيا لي من رقاد ولا لُبِّ

الصفحة 147