كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 151 """"""
فصل
قالوا : ومن أسباب العشق ، سماع الغناء ، وإنشاد الغزل . فإن ذلك يصوّر في النفس نقوش صور فتخمِّر خميرة صورة موصوفة ، ثم تصادف نظراً مستحسناً ، فتتعلق النفس بما كانت تطلبه حالة الوصف .
فصل
وذكر بعض الحكماء أنه لا يقع العشق إلا لمجانس وذكر بعض الحكماء أنه لا يقع العشق إلا لمجانس ، وأنه يضعف ويقوى على قدر التشاكل . واستدل بقول النبيّ ( صلى الله عليه وسلم ) " الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " . قال : وقد كانت الأرواح موجودة قبل الأجسام ، فمال الجنس إلى الجنس . فلما افترقت في الأجساد ، بقي في كل نفس حب ما كان مقارناً لها . فإذا شاهدت النفس من نفسٍ نوع موافقة ، مالت إليها ظانَّة أنها هي التي كانت قرينتها . فإن كان التشاكل في المعاني كانت صداقةً وموّدة ، وإن كان في معنى يتعلق بالصورة ، كان عشقاً . وإنما يوجد الملل والإعراض من بعض الناس لأن التجربة أبانت ارتفاع المجانسة والمناسبة .
وأنشدوا على ذلك :
وقائلٍ : كيف تهاجرتما ؟ . . . فقلت قولاً فيه إنصافُ :
لم يك من شكلي ففارقته ، . . . والناس أشكال واُلاَّفُ .
قال أبو الفرج بن الجوزيّ : فإن قيل إذا كان سبب العشق نوع موافقة بين شخصين في الطباع ، فكيف يحب أحدهما صاحبه والآخر لا يحبه ؟ فالجواب أنه يتفق في طبع المعشوق ما يوافق طبع العاشق ، ولا يتفق في طبع العاشق ما يلائم طبع المعشوق . فإذا كان سبب العشق اتفاقاً في الطباع بطل قول من قال : إن العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة . إنما يكون العشق لنوع مناسبة وملاءمة ، ثم قد يكون الشيء حسناً عند شخص غير حسن عند آخر . وحكي على ذلك حكاية رفعها بالسند إلى عليّ بن الحسين القرشيّ ، عن رجل من أهل المدينة كان أديباً ظريفاً

الصفحة 151