كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 152 """"""
طلاَّباً للأدب والملح ، قال : كنت يوماً في مجلس رجل من قريش ومعنا قينة ظريفة حسنة الصورة ، ومعنا فتىً من أقبح ما رأته العين ، والقينة مقبلة عليه بحديثها وغنائها . فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا فتىً من أحسن الناس وجهاً ، وأثراهم ثوباً ، وأطيبهم ريحاً ، فأقبل عليّ صاحب البيت ، فقال : إن في أمر هذين لعجبا قلت : وما ذاك ؟ قال : هذه الجارية تحب هذا ) يعني القبيح الوجه ( وليس لها في قلبه محبة ، وهذا الحسن الوجه يحبها ، وليس له في قلبها محبةٌ . فبينما نحن على شرابنا إذ سرّ الفتى الحسن الوجه فتغنِّى وقال :
بيد الذي شُغف الفؤاد بهم . . . فرج الذي ألقى من السُّقْم
فاستيقني أن قد كلفت بكم . . . ثم افعلي ما شئت عن علم
فأقبلت عليه ، وقالت : قد علمنا ذاك ، فمه ثم تركته ، وأقبلت على القبيح الوجه ، فلبثنا ساعة ، ثم تغنى الفتى أيضاً :
ألا ليتني أعمى أصمُّ تقودني . . . بثينة لا يخفى عليَّ كلامها
فقالت : اللهم أعط عبدك ما سأل فغاظتني ، فقلت لها : يا فاجرة تختارين هذا ، وهو أقبح من ذنوب المصرِّين ، على هذا الذي هو أحسن من توبة التائبين ، فقالت لي : ليس الهوى بالاختيار ثم أنشأت تغني وتقول :
فلا تلم المُحبَّ على هواه . . . فكل متيمٍ كلفٍ عميدِ
يظُنُّ حبيبه حسناً جميلاً ، . . . وإن كان الحبيب من القرود
فقلت : أجل إنه لكما قلت ، وليس في هذا حيلة ، وذكرت قول عمر بن أبي ربيعة :
فتضاحكن ، وقد قلن لنا : . . . حسنٌ في كلِّ عينٍ ما تودّ

الصفحة 152