كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 153 """"""
فصل
قالوا : ويتأكد العشق بإدمان النظر ، وكثرة اللقاء ، وطول الحديث . فإن انضم إلى ذلك معانقة أو تقبيل فقد تمَّ استحكامه .
وقد ذكر حكماء الأوائل أنه إذا وقعت القبل بين المتحابين ووصلت بلَّة من ريق كل واحد منهما إلى معدة الآخر ، واختلط ذلك بجميع البدن ووصل إلى جرم ، وهكذا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه ، فإنه يخرج مع ذلك النفس شيءٌ من نسيم كل واحد منهما فيختلط بأجزاء الهواء ، فإذا استنشق من ذلك الهواء دخل في الخياشيم ، فوصل بعضه إلى الدماغ فسرى فيه كسريان النور في جرم البدن فينعقد في بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصير مزاجاً ، فيتولد به العشق وينمى .
هذا ما قيل في سبب العشق والله أعلم . وأما ما قيل في مدحه وذمّه والممدوح منه والمذموم ، قال ابن الجوزيّ في كتابه المترجم ب " ذمِّ الهوى " : اختلف الناس في العشق ، هل هو ممدوح أو مذموم . فقال قوم : هو ممدوح ، لأنه لا يكون إلا من لطافة الطبع ، ولا يقع عند جامد الطبع . ومن لم يجد منه شيئاً فذلك من غلظ الطبيعة . فهو يجلو العقول ، ويصفِّي الأذهان ، ما لم يُفرط . فإن أفرط عاد سُماً قاتلاً . وقال آخرون : هو مذموم ، لأنه يستأسر العاشق ويجعله في مقام المستعبد . قال : قلت : وفصل الحكم في هذا الفصل أن نقول : أما المحبة والودّ والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة فلا يُذم ، وأما العشق الذي يزيد على حدّ الميل والمحبة فيملك العقل ويصرف صاحبه على غير مقتضى الحكمة فذلك مذموم . ويتحاشى من مثله الحكماء .
هذا ما قيل في مدحه وذمّه مجملاً . والله تعالى أعلم .

الصفحة 153