كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 155 """"""
وحكى أبو الفرج بن الجوزيّ بسند يرفعه إلى اليمان بن عمرو مولى ذي الرياستين ، قال : كان ذو الرياستين يبعثني ويبعث أحداثاً من أهله إلى شيخ عالم بخراسان ، له أدبٌ وحسن معرفة بالأمور ، ويقول لنا : تعلَّموا منه الحكمة ، فإنه حكيم ، وكنا نأتيه . فإذا انصرفنا من عنده ، سألنا ذو الرياستين واعترض ما حفظناه فنخبره به . فقصدناه ذات يوم ، فقال : أنتم أدباء ، وقد سمعتم الحكمة ولكم جداتٌ ونعمٌ ، فهل فيكم عاشق ؟ فقلنا : لا . فقال : اعشقوا ، فإن العشق يُطلق اللسان العييّ ، ويفتح جبلة البليد ، ويبعث على التنظيف وتحسين اللباس وتطييب المطعم ، ويدعو إلى الحركة والذَّكاء ، ويُشرِّف الهمة وإياكم والحرام فانصرفنا من عنده إلى ذي الرياستين ، فسألنا عما أخذنا في يومنا ذلك فهبناه أن نخبره . فعزم علينا فأخبرناه ، فقال : صدق والله فهل تعلمون من أين أخذ هذا ؟ فقلنا : لا . قال ذو الرياستين : إن بهرام جور كان له ابن ، وكان قد رشَّحه للأمر من بعده ، فنشأ الفتى ناقص الهمة ، ساقط المروءة ، خامل النفس ، سيء الأدب . فغمه ذلك ووكَّل به من يلازمه من المؤدِّبين والحكماء ليعلموه . فكان يسألهم عنه فيحكون عنه ما يغُمُّه من سوء فهمه وقلة أدبه . إلى أن سأل بعض مؤدبيه يوماً ، فقال له المؤدب : قد كنا نخاف سوء أدبه ، فحدث من أمره ما صيرنا إلى اليأس من فلاحه ، قال : وما ذاك الذي حدث ؟ قال : إنه رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها حتى غلب عليه هواها ، فهو لا يهذي إلا بها ، ولا يتشاغل إلا بذكرها . فقال بهرام : الآن رجوت فلاحه ثم دعا بأبي الجارية ، فقال : إني مُسرٌّ إليك سرّاً فلا يعدُونَّك . فضمن له ستره . فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته ، وأنه يريد أن ينكحها إياه ، وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها ، فإذا استحكم طمعه فيها تجنَّت عليه وهجرته ، فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ومن همته همة الملوك ، وأنه يمنعها من مواصلته أنه لا يصلح للملك . ثم ليعلمه خبرها ، فقبل أبوها ذلك منه . ثم قال للمؤدب الموكل به خوّفه مني وشجعه على مراسلة المرأة ففعل ذلك وفعلت الصبية ما أمرها به أبوها . فلما انتهت إلى التجني عليه ، وعلم الفتى السبب الذي كرهته له ، أخذ في الأدب وطلب

الصفحة 155