كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 156 """"""
الحكمة والعلم والفروسية والرِّماية وضرب الصوالجة حتِّى مهر في ذلك . ثم رفع إلى أبيه أنهمحتاج من الدوابّ والآلت والمطاعم والملابس والندماء إلى فوق ما عنده . فسُرّ الملك بذلك ، وأمر له بما طلب . ثم دعا مؤدبه ، فقال : إن الموضع الذي وضع به ابني نفسه من حبِّ هذه المرأة لا يُزري به . فتقدّم إليه أن يرفع ذلك إليّ ويسألني أن أزوّجه إياها . ففعل . ورفع الفتى ذلك إلى أبيه ، فاستدعى أباها ، وزوّجه بها ، وأمر بتعجيلها إليه ، وقال له : إذا اجتمعت بها فلا تحدث شيئاً حتَّى آتيك فلما اجتمع أتاه ، فقال : يا بنيَّ لا يضعنَّ منها عندك مراسلتها إيَّاك ، وليست في حبالك فإني أنا أمرتها بذلك . وهي أعظم الناس مِنَّةً عليك ، بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك ، حتّى بلغت الحدّ الذي تصلح معه للملك بعدي . فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك ففعل الفتى ذلك ، وعاش مسروراً بالجارية ، وعاش أبوه مسروراً به ، وأحسن ثواب أبيها ، ورفع مرتبته وشرفه بصيانة سره وطاعته ، وأحسن جائزة المؤدب ، وعقد لابنه على الملك من بعده .
قال اليمان : ثم قال لنا ذو الرياستين : سلوا الشيخ الآن : لم حملكم على العشق ؟ فسألناه : فحدّثنا بحديث بهرام جور وابنه .
فهذا ممن ارتفع بالهوى وترقَّى بسببه إلى مرتبة الملك .
وحكى ابن الجوزيّ أيضاً ، قال : حدّث القاسم بن محمد النميري ، قال : ما رأيت شاباً ولا كهلاً من ولد العباس أصون لنفسه ، وأضبط لجأشه وأعفُّ لساناً وفرجاً من عبد الله بن المعتزّ وكان ربما عبثنا بالهزل في مجلسه ، فجرى معنا فيما لا يقدح به عليه قادح . وكان أكثر ما يشغل به نفسه سماع الغناء . وكان كثيراً