كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 161 """"""
وقال العباس :
لا عار في الحبِّ إن الحبَّ ؛ مكرمةٌ . . . لكنَّه ربما أزرى بذي الخطر
وأما القسم المذموم منه ، وهو الذي ثنينا بذكره في صدر هذا الفصل فقد أكثر الناس القول في ذمه ، وبينوا أسبابه .
فقال ابن الجوزيّ : بيان ذمه أن الشيء إنما يعرف مذموماً أو ممدوحاً بتأمل ذاته وفوائده وعواقبه ، وذات العشق لهج بصورة ، وهذا ليس فيه فضيلة فتمدح ، ولا فائدة في العشق للنفس الناطقة ، إنما هو أثر غلبة النفس الشهوانية .
وقال بعض الحكماء : ليس العشق من أدواء الحصفاء الحكماء ، إنما هو من أمراض الخلعاء الذين جعلوا دأبهم ولهجهم متابعة النفس وإرخاء عنان الشهوة وإمراح النظر في المستحسنات من الصور . فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس ، ثم تألف ، ثم تتوق ، ثم تلهج ، فيقال " عشق " . وليس هذا من صفة الحكماء : لأن الحكيم من استطال رأيه على هواه ، وتسلطت حكمته على شهوته . فرعونات طبعه مقيدة أبداً كصبي بين يدي معلمه أو عبد بمرأى سيده ؛ وما كان العشق قط إلا لأرعن بطَّال . وقلَّ أن يكون لمشغول بصناعة أو بتجارة ، فكيف لمشغول بالعلوم والحكم ، فإنها تصرفه عن ذلك . ولهذا لا تكاد تجده في الحكماء .
وقال ابن عُقيل : العشق مرض يعتري النفوس العاطلة ، والقلوب الفارغة المتلمحة للصور لدواعٍ من النفس ، ويساعدها إدمان المخالطة ، فيتأكد الإلف ويتمكن الأنس ، فيصير بالإدمان شغفاً . وما عشق قط إلا فارغٌ . فهو من علل البطالين وأمراض

الصفحة 161