كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
الفارغين من النظر في دلائل العبر ، وطلب الحقائق ؛ المستدل بها على عظم الخالق . ولهذا قلما تراه إلا في الرُّعن البطرين ، وأرباب الخلاعة النَّوكى . وما عشق حكيم قط : لأن قلوب الحكماء أشدّ تمنعاً عن أن توقفها صورة من صور الكون مع شدة تطلبها ، فهي أبداً تلحظ وتخطف ولا تقف . وقلَّ أن يحصل عشق من لمحة ، وقلَّ أن يضيف حكيم إلى لمحة نظرةً ، فإنه مار في طلب المعاني ، ومن كان طالباً لمعرفة الله لا توقفه صورة عن الطلب لأنها تحجبه عن الصور .
وقال ابن الجوزيّ : واعلم أن العشاق قد جاوزوا حدّ البهائم في عدم ملكة النفس في الانقياد إلى الشهوات : لأنهم لم يرضوا أن يصيبوا شهوة الوطء وهي أقبح الشهوات عند النفس الناطقة من أيّ موضع كان حتى أرادوها من شخص بعينه فضموا شهوة إلى شهوة ، وذلُّوا للهوى ذل على ذل . والبهيمة إنما تقصد دفع الأذى عنها حسب . وهؤلاء استخدموا عقولهم في تدبير نيل شهواتهم .
ثم قال : والعشق بين الضرر في الدِّين والدنيا . أما في الدّين فإنه يشغل القلب عن الفكر فيما له خلق : من معرفة الله تعالى ، والخوف منه ، والقرب إليه . ثم ينفذ ما ينال من موافقة غرضه المحرّم الذي يكون فيه خسران أخرته . ويعرضه لعقوبة خالقه . فكلما قرب من هواه ، بعد من مولاه . ولا يكاد العشق يقع في الحلال المقدور عليه فإن وقع ، فيا سرعان زواله قالت الحكماء : كل مملوك مملول . وقال الشاعر :
وزادني شغفاً بالحبِّ أن منعت . . . أحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما منعا .
فإن كان المعشوق لا يباح ، اشتدّ القلق به والطلب له . فإن نيل منه غرض ، فالعذاب الشديد في مقابلته . على أن بلوغ الغرض يزيد ألماً فتر بي مرارة الفراق على لذَّة الوصال . كما قال الشاعر :
كلُّ شيءٍ ربحته في التَّداني . . . والتلاقي ، خسرته في الفراق .
فإن منعه خوف الله تعالى عن نيل غرض ، فالامتناع عذاب شديد فهو معذب في كل حال .

الصفحة 162