كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 163 """"""
هذا ضرره في الدّين . وأما ضرره في الدنيا فإنه يورث الهمَّ الدائم ، والفكر اللازم ، والوسواس ، والأرق ، وقلة المطعم ، وكثرة السهر . ويتسلط على الجوارح فتنشأ الصفرة في البدن ، والرِّعدة في الأطراف ، واللَّجلجة في اللسان ، والنُّحول في الجسد . فالرأي عاطل ، والقلب غائب عن تدبير مصلحة ، والدموع هواطل ، والحسرات تتتابع ، والزفرات تتوالى ، والأنفاس لا تمتدّ ، والأحشاء تضطرم . فإذا غشَّى على القلب غشاء ثانياً أخرج إلى الجنون . وما أقربه حينئذ من التلف قال : هذا ، وكم جنى من جناية على العرض ، ووهنَّ الجاه بين الخلق . وربما أوقع في عقوبات البدن وإقامة الحدود .
وقال جالينوس : العشق من فعل النفس ، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد .
وفي الدماغ ثلاثة مساكن : مسكن للتخيُّل ، وهو في مقدّم الرأس ؛ ومسكن للفكر ، وهو في وسطه ؛ ومسكن للذُّكر ، وهو في مؤخره .
ولا يسمى عاشقاً إلا من إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيله فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد ، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والفكر والذكر فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به .
وقال الجاحظ : ذكر لي بعض حكماء الهند أنه قال : إذا ظهر العشق عندنا في رجل أو امرأة ، غدونا على أهله بالتعزية .