كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 172 """"""
فإن كنت لم تقض المودة بيننا . . . فلا تُخلِ من حبٍّ له أبدا قلبي
رضيت بهذا ما حييت فإن أمت . . . فحسبي معاداً في المعاد به حسبي
قال : وجعلت تردّد هذه الأبيات وتبكي ، فقمت إليها وقلت : بنفسي من أنت ؟ مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين ؟ قالت : نعم والله إنه يفعل تصبراً وفي قلبه أكثر مما في قلبي قلت : فإلى كم البكاء ؟ قالت : أبداً أو يصير الدمع دماً وتتلف نفسي غماً . فقلت : إن هذه آخر ليلة من ليالي الحج ، فلو سألت الله تعالى التوبة مما أنت فيه ، رجوت أن يذهب حبه من قلبك قالت : يا هذا ، عليك بنفسك في طلب رغبتك ، فإني قد قدّمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي وحوّلت وجهها عني ، وأقبلت على بكائها وشعرها .
وحكى أبو الفرج ، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزيّ في كتابه المترجم ب ذم الهوى بسند رفعه إلى هشام بن عروة ، قال : أذن معاوية بن أبي سفيان يوماً للناس ، فكان فيمن دخل عليه فتى من بني عذرة . فلما أخذ الناس مجالسهم ، قام الفتى العذريّ بين السماطين فأنشأ يقول :
مُعاوي ، يا ذا الفضل والحلم والعقلِ . . . وذا البرِّ والإحسان والجود والبذل
أتيتك لمَّا ضاق في الأرض مسكني . . . وأنكرت مما قد أُصبت به عقلي .
ففرَّج كلاك الله عنِّي فإننيلقيت الذي لم يلقه أحدٌ قبلي
وخذ لي هداك الله حقِّي من الذيرماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجي عدله إن أتيته . . . فأكثر تردادي مع الحبس والكبلِ
سباني سُعدي والنبرى لخصومتي . . . وجار ولم يعدل وغاضبني أهلي .
فطلَّقتها من جهد ما قد أصابني . . . فهذا أمير المؤمنين من العدلِ ؟

الصفحة 172