كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 173 """"""
فقال معاوية : ادن بارك الله عليك ما خطبك ؟ فقال : أطال الله بقاء أمير المؤمنين إنني رجل من بني عذرة ، تزوجت ابنة عمّ لي . وكانت لي صرمةٌ من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها ، فلما أصابتني نائبة الزمان وحادثات الدهر ، رغب عني أبوها . وكانت جارية فيها الحياء والكرم ، فكرهت مخالفة أبيها . فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخاً به راجياً لنصرته . فذكرت له قصتي ، فأحضر أباها وسأله عن قضيتي . وكان قد بلغه جمالها ، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم ، وقال له : هذه لك ، وزوّجني بها وأنا أضمن خلاصها من هذا الأعرابيّ فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لي خصماً وعليّ منكرا فانتهرني وأمر بي إلى السجن وأرسل إليّ أن أطلقها فلم أفعل . فحبسني وضيق عليّ وعذبني بأنواع العذاب ، فلما أصابني مسُّ الحديد وألم العذاب ولم أجد بدّاً عن ذلك ، طلقتها . فما استكملت عدّتها حتّى تزوج بها . فلما دخل بها أرسل إليّ فأطلقني . وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيراً بك ، وأنت غياث المكروب ، وسند المسلوب . فهل من فرج ؟ وبكى وقال في بكائه :
في القلب منِّي نارُ . . . والنار فيها استعارُ
والجسم منِّي نحيلٌ . . . واللون فيه اصفرارُ .
والعين تبكي بشجوٍ . . . فدمعها مدرارُ .
والحبُّ داء عسيرٌ . . . فيه الطَّبيب يحارُ .
حُمِّلت منه عظيماً . . . فما عليه اصطبارُ .
فليس ليلي ليلاً . . . ولا نهاري نهارُ
فرقَّ له معاوية وكتب إلى ابن الحكم كتاباً غليظاً ، وكتب في آخره :
ركبت أمراً عظيماً لست أعرفه . . . أستغفر الله من جور امرئٍ زاني
قد كُنت تُشبه صُوفياً له كُتبٌ . . . من الفرائض أو آيات فرقانِ .

الصفحة 173