كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 176 """"""
ثم قالت : والله يا أمير المؤمنين ، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدرات الأيام وإن لي معه صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى والله إني لأحق من صبر معه الضراء كما تنعَّمت معه السرَّاء فعجب كلُّ من كان حاضراً . فأمر له بها ثم أعادها له بعقد جديد ، وأمر لهما بألف دينار . فأخذها وانصرف يقول :
خلُّوا عن الطريق للأعرابي . . . ألم ترقُّوا ، ويحكم مما بي ؟
قال : فضحك معاوية وأمر بها فأدخلت في قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن الحكم ثم أمر برفعها إلى الأعرابي .
ولقد ساق ابن الجوزيّ في كتابه من أخبار العشاق وما نالهم من الأمراض والجنون والضنا ، وقصّ كثيراً من أخبارهم ، تركنا إيراد ذلك رغبةً في الاختصار ، لأنه أمر غير منكور .
وأما من خاطر بنفسه وألقاها إلى الهلاك لأجل محبوبه ، فمن ذلك ما روي عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان أنه قال : كان عبد الملك يجلس يومين في الأسبوع جلوساً عامّاً للناس : فبينما هو جالس في مستشرفٍ له وقد أدخلت عليه القصص ، إذ وقعت في يده قصَّة غير مترجمة . فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ فيّ ما شاء من حكمه ، فعل . فاستشاط من ذلك غضباً وغيظاً ، وقال : يا رباح عليّ بصاحب هذه القصة فخرج الناس جميعاً فأدخل عليه الغلام كما عذَّر ، من أحسن الفتيان ، فقال له عبد الملك : يا غلام ، هذه قصتك ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : وما الذي غرّك منّي ؟ والله لأمثلنّ بك ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة ثم قال : عليّ بالجارية فجيء بها كأنها فلقة قمر وبيدها عودها ووضع لها كرسيّ ، فجلست ، فقال عبد الملك : مرها يا غلام فقال لها : يا جارية ، غنيني بشعر قيس بن ذريح :