كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 178 """"""
فغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف ، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض . فقال عبد الملك : ويحه لقد عجل على نفسه ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل وأمر بإخراج الجارية عن قصره ، فأخرجت . ثم سأل عن الغلام فقالوا : غريب ، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق ، ويده على رأسه :
غداً يكثر الباكون منا ومنكم ، . . . وتزداد داري من دياركم بُعدا
وحكي أن هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك .
حكي عن أبي عثمان الجاحظ أنه قال : قعد سليمان بن عبد الملك يوماً للمظالم وعرضت عليه القصص فمرّت به قصة فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إليّ فلانة إحدى جواريه حتى تغنيني ثلاثة أصوات ، فعل . فاغتاظ سليمان وأمر أن يؤتى برأسه . ثم أتبع الرسول برسول آخر فأمره أن يدخل الرجل إليه . فلما مثل بين يديه ، قال له : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقال : الثقة بحلمك ، والاتكال على عفوك فأمره بالجلوس ، فجلس حتى لم يبق من بني أمية أحد . ثم أمر بإخراج الجارية فأخرجت ومعها عود ، ثم قال : اختر فقال : تغني لي بقول قيس بن الملوّح :
تعلَّق روحي روحها قبل خلقنا . . . ومن بعد أن كنَّا نطافاً وفي المهدِ
فعاش كما عشنا فأصبح نامياً ، وليس وإن متنا بمنقصف العهدِ .
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها ، . . . إذا اغتسلت بالماء من رقَّة الجلدِ .
وإني لمشتاق إلى ريح جيبها ، . . . كما اشتاق إدريس إلى جنَّة الخلدِ

الصفحة 178