كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 180 """"""
ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية . فلما بلغ الرشيد خبر مقدمهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ليكتب اسم كل واحد منهم وحاجته ، ففعل . فلما بلغ إلى العراقيّ قال : ما حاجتك ؟ قال له : إن أنت كتبتها وضمنت لي عرضها مع ما يعرض ، أنبأتك بها . فقال : أفعل ذلك ، فقال : حاجتي أن أجلس مع فلانة حتى تغنِّيني ثلاثة أصوات وأشرب ثلاثة أرطال ، وأخبرها بما تُجنّ ضلوعي من حبها فقال الفضل : أنت موسوس مدخول عليك في عقلك فقال : يا هذا ، قد أُمرت أن تكتب ما يقول كلُّ واحد منا فاكتب ما أقول واعرضه ، فإن أُجبت إليه وإلا فأنت في أوسع العذر ، فدخل الفضل مغضباً فوقف بين يدي الرشيد ، وقرأ عليه ما كتب من حوائجهم . فلما فرغ قال : يا أمير المؤمنين فيهم واحد مجنون سأل ما أُجلُّ مجلس أمير المؤمنين عن التفوّه به . فقال : قل ، ولا تجزعنّ فقال : قال كذا وكذا . فقال : اخرج إليه ، وقل له إذا كان بعد ثلاث ، فاحضر لينجز لك ما سألت . وكن أنت متولِّي الاستئذان له . ثم دعا بخادم فقال له : امض إلى فلانة فقل لها : حضر رجل يذكر كذا وكذا وقد أجبناه إلى ما سأل فكوني على أهبة . وخرج الفضل إلى الرجل وأخبره بما قال الرشيد ، فانصرف وجاء في اليوم الثالث . فعرّف الفضل الرشيد خبره فقال : يوضع له بحيث أرى كرسيٌّ من فضة ، وللجارية كرسيٌّ من ذهب وليخرج إليه ثلاثة أرطال ففعلوا ذلك وجاء الفتى فجلس على الكرسيّ ، والجارية بإزائه ، فجعل يحدّثها والرشيد يراهما ، فقال له الخادم : لم تدخل فتشتو وتصيِّف فأخذ رطلاً وخرّ ساجداً ، قال : إن شئت أن تغنِّي فغنِّي :
خليليَّ عوجاً بارك الله فيكما . . . وإن لم تكن هندٌ بأرضكما قصدا
وقولا لها : ليس الضلال أجازنا ؛ . . . ولكنَّما جزنا لنلقاكما عمدا
غداً يكثر الباكون منا ومنكم ، . . . وتزدادا داري من دياركم بعدا
فغنت ، فشرب الرطل ، وحادثها ساعة . فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال : غني جعلني الله فداءك
تكلَّم منَّا في الوجوه عيوننا ، . . . فنحن سكوتٌ والهوى يتكلَّمُ
ونغضب أحياناً ونرضى بطرفنا ، . . . وذلك فيما بيننا ليس يُعلمُ