كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 181 """"""
فغنته وشرب الرطل الثاني وحادثها ساعة . واستعجله الخادم فخرّ ساجداً يبكي وأخذ الرطل بيده واستودعها الله وقام ودموعه تستبق المطر وقال : إذا شئت أن تغنِّي فغنِّي .
أحسن ما كُنَّا تفرّقنا . . . وخاننا الدّهر وما خُنَّا
فليت ذا الدهر لنا مرَّةً . . . عاد لنا الدّهر كما كنا
فغنته الصوت ، فقلَّب الفتى طرفه فبصر بدرجة في الصحن ، فأمها . فاتبعه الخدم ليهدوه الطريق ، ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فمات . فقال الرشيد : عجَّل الفتى ولو لم يعجِّل لوهبتها له وممن خاطر بنفسه في هواه وعرَّضها للتلف فنجا ونال خيراً ، مال حكاه ابن الجوزيّ بسند يرفعه إلى أبي الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن الترسي قال : كنت جالساً بحضرة أبي ، وأنا حدث ، وعنده جماعة . فحدّثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الظريفة . وكان ممن حضر صديق لأبي . فسمعته يحدّث أبي ، قال : حضرت عند صديق لي من التُّجَّار - كان يتَّجر بمائة ألف دينار - في دعوة . وكان حسن المروءة ، فقدّم مائدة وقدّم عليها ديكريكة فلم يأكل منها ، فامتنعنا . فقال : كلوا فإني أتأذَّى بأكل هذا اللون . فقلنا : نساعدك على تركه . قال : بل أساعدكم على الأكل ، وأحتمل الأذى فأكل وأكلنا ، فلما أراد غسل يده أطال . فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة . فقلت : يا هذا ، وسوست فقال : هذه الأذية التي قرفت منها فقلت : وما سببها ؟ فامتنع من ذكر السبب ، فلما ألححت عليه ، قال : مات أبي وسني عشرون سنة ، وخلف لي نعمة وفيرة ورأس مال ومتاعاً في دكانه . فقال لما حضرته الوفاة : يا بُنيّ إنه لا وارث لي غيرك ، ولا دين عليّ

الصفحة 181