كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 182 """"""
ولا مظلمة . فإذا أنا متُّ فأحسن جهازي وتصدّق عني بكذا وكذا ، وأخرج عني حجَّة بكذا ، وبارك الله لك في الباقي ولكن احفظ وصيتي فقلت : قل قال : لا تسرف في مالك ، فتحتاج إلى ما في يدي الناس فلا تجده .
واعلم أن القليل مع الإصلاح كثير ، والكثير مع الفساد قليل . فالزم السُّوق وكن أوّل من يدخلها ، وآخر من يخرج منها . وإن استطعت أن تدخلها سحراً بليل فافعل ، فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام ، ومات . فأنفذت وصيته ، وعملت بما أشار به . وكنت أدخل السوق سحراً ، وأخرج منها عشاء . فلا أعدم من يجيء يطلب كفناً فلا يجد من قد فتح غيري فأحتكم عليه ، ومن يبيع شيئاً والسوق لم تقم فأبتاع منه ، وأشياء من هذه الفوائد . ومضى عليّ سنة وكسر ، فصار لي بذلك جاه عند أهل السوق وعرفوا استقامتي وأكرموني . فبينما أنا جالس يوماً ولم تتكامل السوق ، وإذا بامرأة راكبة حماراً مصرياً وعلى كفله منديل دبيقي ومعها خادم وهي بزيّ القهارمة . فبلغت آخر السوق ثم رجعت ، فنزلت عندي . فقمت إليها وأكرمتها ، وقلت : ما تأمرين ؟ وتأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء . فتكلمت وقالت : أريد كذا وكذا ثياباً طلبتها . فسمعت نغمة ورأيت شكلاً قتلني فعشقتها في الحال أشدّ عشق ، وقلت : اصبري حتى يخرج الناس ، فآخذ ذلك لك فليس عندي إلا القليل مما يصلح لك . وأخرجت الذي عندي وجلست تحادثني ، وكأن السكاكين في فؤادي من عشقها . وكشفت عن أنامل رأيتها كالطَّلع ، ووجه كدارة القمر . فقمت لئلا يزيد عليّ الأمر ، وأخذت لها من السوق ما أرادت ، وكان ثمنه مع مالي نحو خمسمائة دينار ، فأخذته وركبت ولم تعطني شيئاً . وذهب عني لما تداخلني من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال ، وأن أستدل على منزلها ومن دار من هي ؟ فحين غابت عني ، وقع لي أنها محتالة وأن ذلك سبب فقري . فتحيرت في أمري وكتمت خبري ، لئلا أفتضح بما للناس عليّ .