كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 183 """"""
وأجمعت على بيع ما في يدي من المتاع وإضافته إلى ما عندي من الراهم وأدفع أموال الناس إليهم ولزوم البيت والاقتصار على غلة العقار الذي ورثته . وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع ، وإذا بها قد أقبلت ونزلت عندي ، فحين رأيتها أُنسيت جميع ما جرى عليّ ، وقمت إليها . فقالت : يا فتى ، تأخرنا عنك لشغل عرض لنا ، وما شككنا في أنك لم تشك أنا احتلنا عليك ، فقلت : قد رفع الله قدرك عن هذا فقالت ، هات التخت والطيار ، فأحضرته ، فأخرجت دنانير عتقاً ، فوفتني المال بأسره . وأخرجت تذكرة بأشياء أُخر . فأنفذت إلى التجَّار أموالهم وطلبت منهم الذي أرادت ، وحصلت أنا في الوسط ربحاً جيداً . وأحضر التُجَّار الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسي . ثم بعتها عليها بربح عظيم ، وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر من تألف حبها ، وهي تنظر إليّ نظر من فطنت بذلك ولم تنكره . فهممت بخطابها ولم أقدر عليه . وجمعت المتاع فكان ثمنه ألف دينار . فأخذته ، وركبت ولم أسألها عن موضعها . فلما غابت عني ، قلت : هذه الآن الحيلة المحكمة أعطتني خمسمائة دينار وأخذت ألف دينار ، وليس إلا بيع عقاري الآن ، والحصول على الفقر وتطاولت غيبتها عني نحو شهر . وألّح التجار عليّ بالمطالبة ، فعرضت عقاري على البيع ، ولازمني بعض التجار فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقاً وعيناً . فبينما أنا كذلك ، إذ نزلت عندي . فزال عني جميع ما كنت فيه برؤيتها . واستدعيت الطيار والتخت ، فوزنت المال ورمت إليّ تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير . فتشاغلت بإحضار التجار ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم ، وطال الحديث بيننا . فقالت لي : يا فتى ، ألك زوجةٌ ؟ فقلت : لا ، والله ما عرفت امرأة قط ، وأطمعني ذلك فيها ، وقلت : هذا وقد خطابها ، والإمساك عنها عجزٌ ، ولعلها تعود أو لا تعود . وأردت كلامها فهبتُها . وقمت كأني أحُثُّ التجار على جمع المتاع . وأخذت يد الخادم وأخرجت إليه دنانير وسألته أن يأخذها ويقضي لي حاجة . فقال : أفعل ، فقصصت عليه قصتي وسألته توسط الأمر بيني وبينها . فضحك وقال : والله إنها لك أعشق منك لها ووالله ما بها إلى أكثر هذا الذي تشتريه ، وإنما تأتيك محبةً لك وطريقاً إلى مطاولتك ، فخاطبها ودعني ، فجسَّرني على خطابها فخاطبتها وكشفت لها عشقي ومحبتي وبكيت ،