كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 184 """"""
فضحكت . وتقبلت ذلك أحسن قبول . وقالت : الخادم يأتيك برسالتي . ونهضت ولم تأخذ شيئاً من المتاع ، فرددته على أصحابه . وحصل لي مما اشترته أوّلاً وثانياً ألوف دراهم ربحاً ، ولم أعرف النوم في تلك الليلة شوقاً إليها ، وخوفاً من انقطاع السبب بيننا . فلما كان بعد أيام جاءني الخادم ، فأكرمته وسألته عن خبرها ، فقال : هي والله عليلة من شوقها إليك ، فقلت : اشرح لي أمرها ، فقال : هذه مملوكة السيدة أم المقتدر وهي من أخص جواريها ، واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج . فتوصلت حتى جعلتها قهرمانة . وقد والله حدّثت السيدة بحديثك وبكت بين يديها وسألتها أن تزوّجها منك ، فقالت السيدة : لا أفعل أو أرى هذا الرجل . فإن كان يستأهلك وإلا لم أدعك ورأيك . وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة ، فإن تمت وصلت بها إلى تزويجك بها ، وإن انكشفت ضرب عنقك . وقد أنقذتني إليك في هذه الرسالة ، وقالت لك : إن صبرت على هذا ، وإلا فلا طريق لك والله إليّ ، ولا لي إليك بعدها فحملني ما في نفسي أن قلت : أصبر ، فقال : إذا كانت الليلة فاعبر إلى المحرم ، وادخل إلى المسجد ، وبت فيه . ففعلت ذلك . فلما كان وقت السَّحر ، إذا بطيار قد قدم ، وخدم قد رفعوا صناديق فراغاً . فجعلوها في المسجد وانصرفوا . وخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد ، والخادم معها . فجلست وفرقت باقي الخدم في حوائج ، واستدعتني فعانقتني وقبلتني . ولم أكن نلت ذلك منها قبله . ثم أجلستني في بعض الصناديق وأقفلته . وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التي كانت أنفذتهم إليها ، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقي الصناديق ، وأقفلتها . وحُملت إلى الطيار وانحدر . فلما حصلت فيه ندمت وقلت : قتلت نفسي لشهوة ، وأقبلت ألومها تارةً ، وأشجعها وأمنيِّها أخرى ، وأنذر النُّذور على خلاصي ، وأوطِّن مرة نفسي على القتل إلى أن بلغنا الدار . وحمل الخدم الصناديق ، وحمل صندوقي الخادم الذي يعرف الحديث ، وبادر به أمام الصناديق وهي معي ، والخدم يحملون بقيتها . وكلما جازت بطائفة من الخدم والبوّابين ، قالوا : نريد أن نفتش الصندوق ، فتصيح عليهم وتقول : متى جرى الرسم معي بهذا ؟ فيمسكون عنها

الصفحة 184