كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 185 """"""
ورُوحي في السياق إلى أن انتهينا إلى خادم خاطبته هي بالأُستاذ . فعلمت أنه أجل الخدم ، فقال : لا بدّ من فتح الصندوق الذي معك ، فخاطبته بلين وذل ، فلم يجبها . وعلمت أنها ما ذلَّت ولها حيلة ، فأغمى عليّ . وأنزلوا الصُّندوق ليفتحوه . فبلت من شدة ما نالني من الفزع ، فجرى البول من خلال الصندوق . فصاحت : يا أستاذ ، أهلكت علينا متاعاً بخمسة آلاف دينار في الصندوق ، ثيابٌ مصبَّغات وماء ورد ، وقد انقلب على الثياب ، والساعة تختلط ألوانها ، وهي هلاكي مع السيدة فقال لها : خذي صندوقك إلى لعنة الله أنت وهو ، مُري فصاحت بالخدم : احملوا ، فأُدخلت الدار ورجعت إليّ روحي ، فبينما نحن كذلك إذ قالت : واويلاه الخليفة والله فجاءني أعظم من الأوّل . وسمعت كلام خدم وهو يقول من بينهم : ويلك يا فلانة إيش في صندوقك ؟ أريني هو ، فقالت : ثياب لستي يا مولاي ، والساعة أفتحه بين يديها ، وتراه ، وقالت للخدم : أسرعوا ويلكم فأسرعوا فأدخلتني إلى الحجرة وفتحت الصندوق وقال : اصعد من هذه الدرجة إلى الغرفة فاجلس فيها ، وفتحت صندوقاً آخر فقلبت بعض ما فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه ، وأقفلت الجميع . وجاء المقتدر وقال : افتحيه ، ففتحته ، فلم ير شيئاً فيه . فصعدت إليّ وجعلت تقبلني ترشفني . ونسيت ما جرى . ثم تركتني ، وأقفلت باب الحجرة يومها . ثم جاءتني ليلاً فأطعمتني وسقتني وانصرفت . فلما كان من غد جاءتني ، فقالت : السيدة الساعة تجيء ، فانظر كيف تخاطبها ، ثم عادت بعد ساعة مع السيدة ، وقالت : انزل ، فنزلت . فإذا بالسيدة جالسة على كرسيّ وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتي . فقبَّلْت الأرض وقمت بين يديها ، فقالت : اجلس ، فقلت : أنا عبد السيدة وخادمها ، وليس من محلي أن أجلس بحضرتها ، فتأملتني وقالت : ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب ، ونهضت ، فجاءتني صاحبتي بعد ساعة ، وقالت : أبشر ، فقد أذنت لي في تزويجك ، وما بقي الآن عقبة إلا الخروج . فقلت : يسلم الله فلما كان من غدٍ حملتني في الصندوق . فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع ثان . ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلي ، فتصدّقت ، وحمدت الله تعالى على السلامة . فلما كان بعد أيام جاءني الخادم ومعه كيس وفيه ثلاثة آلاف دينار عيناً وقال : أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها . وقالت : اشتر به ثياباً ومركوباً وخدماً ، وأصلح به ظاهرك ، واحضر يوم الموكب إلى باب العامَّة ، وقف حتَّى تُطلب . فقد وافق الخليفة أن يزوجك بحضرته . فأخذت المال وأجبت عن رقعة كانت معه ، واشتريت ما قالوه بشيء يسير منه وبقي الأكثر عندي .

الصفحة 185