كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 186 """"""
وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزيّ حسن . وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة ، ووقفت إلى أن استدعيت ودخلت . فإذا أنا بالمقتدر جالساً والقضاة والقوّاد وغيرهم من الهاشميين . فهبت المجلس وعُلِّمت كيف أُسلِّم . ففعلت . وتقدّم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لي وزوّجني . وخرجت من حضرته . فلما انتهيت إلى بعض الدهاليز ، عُدل بي إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة وفيها من الآلات والخدم والقماش ما لم أر مثله قطُّ . وانصرف من أدخلني . فجلست يومي لا أقوم إلا إلى الصلاة . وخدمٌ يدخلون وخدم يخرجون ، وطعام عظيم ينقل وهم يقولون : الليلة تُزف فلانة باسم صاحبتي إلى زوجها البزّاز ، وأنا لا أصدق فرحاً . فلما جاء الليل أثَّر فيّ الجوع وأُقفلت الأبواب ، ويئست من الجارية ، فقمت أطوف الدار فوقعت على المطبخ . ووجدت الطباخين جلوساً فاستطعمتهم فلم يعرفوني وقدّروني بعض الوكلاء . فقدموا إليّ هذا اللون مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ وقدّرت أنها قد نقيت . وعدت إلى مكاني . فلما جنّ الليل إذا طبول وزمور وأصوات عظيمة ، وإذا أنا بالأبواب قد فُتِّحت وصاحبتي قد أُهديت إليّ وجاءوا بها فجلوها عليّ ، وأنا أقدّر أن ذلك في النوم . ثم تركت معي في المجلس . وتفرّق ذلك البوش . فلما خلونا ، تقدمت إليها فقبلتها وقبلتني . فلما شمَّت رائحة لحيتي ، رفستني فرمت بي عن المنصة وقالت : أنكرت والله أن تفلح يا عاميِّ ، يا سفلة ، وقامت لتخرج ، فقمت وعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها ، وقلت : عرفيني ذنبي واعملي بعده ما شئت ، فقالت : ويحك ، أكلت ولم تغسل يدك فقصصت عليها قصتي ، فلما بلغت إلى آخرها قلت : عليّ وعليّ - وحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة أتزوّجها وصدقة مالي وجميع ما أملكه والحجِّ ماشياً على قدميّ وكلِّ ما يحلف به المسلمون لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة . فاستحيت وتبسمت وصاحت : يا جواري فجاء مقدار عشر جوار ووصائف ، فقالت : هاتوا شيئاً نأكل ، فقدّمت ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء . فأكلنا وغسلنا أيدينا . واستدعت شراباً فشربنا وغنَّى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه ، ثم قمنا إلى الفراش فخلوت بها وبتُّ بأطيب ليلة ، ولم نفترق أسبوعاً . وكانت يوم الأسبوع وليمةٌ