كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 188 """"""
به ، فقالت أمُّه لصديقه : إني أجيء إليه فلا يكلمني ، فقال : تعالي معي ، فأتت معه . فقال له : إن صاحبتك بعثت إليك رسالة ، قال : كيف ؟ قلت : هذه أمك تؤدّي رسالتها . فجعلت أمه تحدّثه عنها بشيء من الكذب . ثم زاد الأمر عليه ونزل به الموت ، فقال لصديقه : قد جاء الأجل وحان الوقت وما لقيت صاحبتي في الدّنيا ، وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة . فقال له : كيف تصنع ؟ قال : أرجع عن دين محمد ، وأقول عيسى ومريم والصليب الأعظم . فقال ذلك ومات .
فمضى صديقه إلى تلك المرأة فوجدها عليلة فجعل يحدّثها ، وأخبرها بموت صاحبها ، فقالت : أنا ما لقيته في الدّنيا وأنا أريد أن ألقاه في الآخرة . وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وأنا بريئة من دين النصرانية . فقام أبوها فقال للرجل : خذوها الآن فإنها منكم ، فقام الرجل ليخرج ، فقال له : قف ساعة ؛ فوقف ، فما لبث أن ماتت . قال : وبلغني عن رجل ببغداد يقال له صالح المؤذن ، أذَّن أربعين سنة ، وكان يُعرف بالصلاح أنه صعد يوماً إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصرانيّ كان بيته إلى جانب المسجد . فافتتن بها ، فجاء فطرق الباب فقالت له : من أنت ؟ قال : أنا صالح المؤذن . ففتحت له الباب فدخل وضمها إليه ، فقالت : أنتم أصحاب الأمانات ، فما هذه الخيانة ؟ فقال : إن وافقتيني على ما أريد وإلا قتلتك ، فقالت : لا ، إلا أن تترك دينك ، فقال كلمة الكفر وبرئ من الإسلام . ثم تقدّم إليها فقالت : إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك . فكل من لحم الخنزير ، فأكل منه ، قالت : فاشرب الخمر ، فشرب . فلما دبَّ الشراب فيه دنا منها فدخلت بيتاً وأغلقت بينها وبينه الباب ، وقالت له : اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك . فصعد فسقط فمات . فخرجت إليه ولفته في مسح . وجاء أبوها فقصت عليه القصة فأخرجه في الليل ورماه في السكة . وظهر حديثه ، فرمي على مزبلة .
وأما من قتل بسبب العشق فلا يكاد ذلك يحصر كثرةً ، وأعظمه وأشده واقعة عبد الرحمن بن ملجم المراديّ ، لعنه الله .

الصفحة 188