كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 191 """"""
يمنعني من قتلك إلا استصغارك ، فتصاغرت نفسي إليّ وعظُم عندي ما استقبلني . فقلت له : خذ حذرك ، فو الله لا ينصرف إلا أحدنا ، قال : أغرب ، ثكلتك أمُّك فإني من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط فقلت : هو الذي تسمع ، قال : اختر لنفسك ، إما أن تطرد لي ، وإما أن أطرد لك ، فاغتنمتها منه ، فقلت : أطرد لي ، فأطرد وحملت عليه ، حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه ، إذ هو قد صار حزاماً لفرسه ، ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي ، وقال : يا عمرو ، خذها إليك واحدة ، فوالله لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك ، فتصاغرت إليّ نفسي ، وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحبَّ إليّ مما رأيت ، فقلت : والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال : اختر لنفسك ، فقلت : أطرد لي ، فأطرد لي . فظننت أني قد تمكنت منه واتبعته حتى إذا ظننت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه ، فإذا هو قد صار لبياً لفرسه ، ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة وقال : يا عمرو ، خذها إليك اثنتين ، فتصاغرت إليّ نفسي فقلت : والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال : اختر لنفسك ، فقلت : أطرد لي ، فأطرد حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض ، فأخطأته ومضيت ، فاستوى على فرسه واتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال : يا عمرو ، خذها إليك ثالثة ، ولولا أني قتل مثلك لقتلتك ، فقلت له : اقتلني ، فإن الموت أحب إليّ مما أرى بنفسي وأن تسمع فتيان العرب بهذا ، فقال : يا عمرو إنما العفو ثلاث ، وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك ، وأنشأ يقول :
وكدَّت أغلاظاً من الأيمانِ . . . إن عدت يا عمرو إلى الطِّعان ،
لتوجرنَّ لهب السِّنان . . . أولا ، فلست من بني شيبان
فلما قال هكذا ، كرهت الموت ، وهبته هيبة شديدة ، وقلت : إنّ لي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قلت : أكون لك صاحباً ، ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين ، قال : لست من أصحابي ، فكان ذلك والله أشدّ عليّ وأعظم مما صنع . فلم أزل أطلب

الصفحة 191