كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 192 """"""
إليه حتى قال : ويحك ، وهل تدري أين أريد ؟ قلت : لا ، قال : أريد الموت عياناً ، فقلت : رضيت بالموت معك ، فقال : امضي بنا ، فسرنا جميع يومنا وليلتنا حتى جننَّا الليل وذهب شطره . فوردنا على حيٍّ من أحياء العرب ، فقال لي : يا عمرو في هذا الحيِّ الموت ، ثم أومأ إلى قبةٍ في الحيِّ فقال : وفي تلك القبة الموت الأحمر ، فإما أن تمسك عليّ فرسي فأنزل فأتي بحاجتي ، وإما أن أمسك عليك فرسك فتنزل فتأتيني بحاجتي ، فقلت : لا ، بل انزل أنت ، فأنت أعرف بموضع حاجتك ، فرمى إليّ بعنان الفرس ونزل ، فرضيت لنفسي يا أمير المؤمنين أن أكون له ساساً . ثم مضى حتى دخل العقبة فاستخرج منها جاريةً لم تر عيناي قط مثلها حسناً وجمالاً ، فحملها على ناقة ، ثم قال : يا عمرو ، قلت : لبيك ، قال : إما أن تحميني وأقود أنا ، وإما أن أحميك وتقود أنت ، قلت : بل تحميني أنت ، وأقود أنا ، فرمى إليّ بزمام الناقة ، وسرنا بين يديه وهو خلفنا حتى أصبحنا ، فقال لي : يا عمرو ، قلت : لبيك ، ما تشاء ؟ قال : التفت فانظر هل ترى أحداً ؟ قال : فالتفت ، فقلت : أرى جمالاً ، قال : أغذّ السير ، ثم قال لي : يا عمرو ، قلت : لبيك ، قال : انظر ، فإن كان القوم قليلاً فالجلد والقوة والموت ، وإن كانوا كثيراً فليسوا بشيء ، قال : فالتفتُّ ، فقلت : هم أربعة أو خمسة ، قال : أغذَّ السير ، ففعلت ، وسمع وقع الخيل ، فقال لي : يا عمرو ، قلت : لبيك قال : كن عن يمين الطريق ، وقف وحوّل وجوه دوابنا إلى الطريق ، ففعلت ، ووقفت عن يمين الراحلة ووقف هو عن يسارها . ودنا القوم منا ، فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ وهو أبو الجارية وأخواها غلامان شابان ، فسلموا فرددنا السلام ، ووقفوا عن يسار الطريق . فقال الشيخ : خلِّ عن الجارية يا ابن أخي ، فقال : ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها ، فقال لأصغر ابنيه : اخرج إليه ، فخرج وهو يجرّ رمحه وحمل عليه الحارث وهو يقول :
من دون ما ترجوه خصب الذابل . . . من فارسٍ مستلئم مقاتل ينمي إلى شيبان خير وائل . . . ما كان سيرى نحوها بباطل