كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 193 """"""
ثم شدَّ عليه فطعنه طعنةً دقَّ منها صلبه ، فسقط ميتاً . فقال الشيخ لابنه الآخر : اخرج إليه يا بنيَّ ، فلا خير في الحياة على الذل ، فخرج إليه وأقبل الحارث يقول :
لقد رأيت كيف كانت طعنتي . . . والطعن للقرن الشديد همَّتي .
والموت خيرٌ من فراق خلّتي . . . فقتلتي اليوم ولا مذلَّتي
ثم شدّ عليه فطعنه طعنةً سقط منها ميتاً . فقال له الشيخ : خلِّ عن الظعينة يا ابن أخي ، فإني لست كمن رأيت ، قال : ما كنت لأخلِّيها ولا هذا قصدت ، فقال له الشيخ : اختر يا ابن أخي ، فإن شئت طاردتك ، وإن شئت نازلتك ، فاغتنمها الفتى ونزل . ونزل الشيخ وهو يقول :
ما أرتجي بعد فناء عُمري ؟ . . . سأجعل السِّنين مثل الشهرِ .
شيخٌ يحامي دون بيض الخدر . . . . إن استباح البيض قصم الظَّهر .
سوف ترى كيف يكون صبري فأقبل الحارث وهو يقول :
بعد ارتحالي وطويل سفري . . . وقد ظفرت وشفيت صدري .
والموت خيرٌ من لباس الغدر ، . . . والعار أُهديه لحيِّ بكر .
ثم دنا فقال له الشيخ : يا ابن أخي ، إن شئت نازلتك ، وإن بقيت فيك قوة ضربتني ، وإن شئت فاضربني ، فإن بقيت فيّ قوةٌ ضربتك ، فاغتنمها الفتى فقال : وأنا أبدؤك ، قال : هات ، فرفع الحارث السيف ، فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه ، ضرب بطنه ضربة فقد معاه ، ووقعت ضربة الحارث في رأسه . فسقطا ميتين . فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف ، ثم أقبلت إلى الناقة فعقدت أعنة الأفراس بعضها إلى بعض وجعلت أقودها . فقالت الجارية : يا عمرو ، إلى أين ؟ ولست لي بصاحب ، ولست كمن رأيت ، ولو كنت صاحبي لسلكت