كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 194 """"""
سبيلهم فقلت : اسكتي ، قالت : فإن كنت صادقاً فأعطني سيفاً ورمحاً ، فإن غلبتني فأنا لك ، وإن غلبتك قتلتك ، فقلت لها : ما أنا بمعطيك ذلك ، وقد عرفت أصلك وجُرأة قومك وشجاعتهم ، فرمت بنفسها عن البعير وهي تقول :
أ بعدما شيخي وبعد اخوتي . . . أطلب عيشاً بعدهم في لذَّةِ ؟
هل لا تكون قبل ذا منيَّتي ؟ وأهوت إلى الرُّمح فكادت تنتزعه من يدي . فلما رأيت ذلك خفت إن هي ظفرت بي أن تقتلني ، فقتلتها .
فهذا أشد ما رأيته يا أمير المؤمنين .
فقال عمر بن الخطاب : صدقت يا عمرو . وروى ابن الجوزيّ بسند إلى الليث بن سعد أنه قال : أُتي عمر رضي الله عنه بفتىً أمرد قد وجد قتيلاً مُلقى في الطريق . فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر ، ولم يعرف قاتله . فشقَّ ذلك عليه ، وقال : اللهم ظفِّرني بقاتله . حتى إذا كان رأس الحول أو قريب من ذلك ، وجد صبي مولود مُلقى بموضع القتيل فأُتي به عمر . فلما أُتي به وأُخبر بمكانه ، قال : ظفرت تالله بدم القتيل إن شاء الله تعالى ، فدفع الصبي إلى امرأة ، وأمرها أن تقوم بشأنه وأعطاها نفقة . وقال : انظري من يأخذه منك ، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها . فلما شبّ الصبي جاءت جاريةٌ فقالت للمرأة إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي إليها بالصبيّ لتراه وتردّه إليك . قالت : نعم ، اذهبي به إليها وأنا معك ، فذهبت بالصبيّ والمرأة معها إلى سيدتها . فلما رأته أخذته فقبلته وضمَّته إلى صدرها . وإذا هي بنت شيخ من الأنصار ، من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فأخبرت عمر خبرها . فاشتمل على سيفه ، ثم أقبل على منزلها ، فوجد أباها متكئاً على باب داره . فسلم عليه ، وقلا له : أبا فلان ، قال : لبيك ، قال : ما فعلت ابنتك