كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 199 """"""
وما استبطأت غيرك فاعلميه . . . وحولي من ذوي رحمي عديدُ
ولو كنت السقيمة ، كنت أسعى . . . إليك ولم ينهنهني الوعيدُ
قال : ثم شهق شهقةً وخفت ، فمات . فبكت العجوز وقالت : فاضت والله نفسه فدخلني أمر لم يدخلني مثله قط . فلما رأت العجوز ما حلَّ بي ، قالت : يا فتى لا ترعْ عاش بأجلٍ ، ومات بقدر ، وقدم على ربٍّ كريم ، واستراح من تباريحه وغصصه ثم قالت : هل لك في استكمال الصنيعة ؟ قلت : قولي ما أحببت قالت : تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه ، فإني وحيدة . قال : فركبت فرسي وقصدت البيوت وأقبلت أنعاه إليهم . فبينما أنا أنعاه ، إذا خيمةٌ رُفع جانبٌ منها ، وإذا امرأة قد خرجت كأنها القمر ليلة البدر . ناشرة شعرها ، تجرُّ خمارها ، وهي تقول : بفيك الكثكث بفيك الحجر من تنعي ؟ قلت : أنعي فلاناً قالت : أو قد مات ؟ قلت : إي والله قد مات قالت : فهل سمعت له قولاً ، قلت : اللهم لا ، إلا شعراً ، قالت : وما هو ؟ فأنشدتها قوله : ألا ما للمليحة لا تعود الأبيات فاستعبرت باكية وأنشات تقول :
عداني أن أزورك يا مناي . . . معاشر كُلُّهم واشٍ حسودُ
أشاعوا ما علمت من الدواهي . . . وعابونا ، وما فيهم رشيدُ
فأما إذ ثويت اليوم لحداً . . . فكلُّ الناس دورهم لحودُ .
فلا طابت لي الدُّنيا فواقاً . . . ولا لهم ولا أثري عديدُ
ثم شهقت شهقةً وخرَّت مغشياً عليها ، وخرج النساء من البيوت واضطربت ساعة وماتت . فو الله ما برحت حتَّى دفنتهما جميعاً .

الصفحة 199