كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 200 """"""
وروى الساجي عن الأصمعي قال : رأيت بالبادية رجلاً قد دق عظمه ، وضؤل جسمه ، ورق جلده . فتعجبت ودنوت منه أسأله عن حاله . فقالوا : اذكر له شيئاً من الشعر يكلمك ، فقلت :
سبق الفضاء بأنَّني لك عاشقٌ . . . حتى الممات ، فأين منك مذاهبي ؟
فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته ، ثم أنشأ يقول :
أخلو بذكرك لا أريد محدّثاً ، . . . وكفى بذكرك سامراً وسرورا
قال : فقلت له : أخبرني عنك قال : إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة ففعلت ، فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه :
ألا ما للمليحة لا تعودُ . . . أ بخلٌ بالمليحة أم صدودُ ؟
فلو كنت المريضة كنت أسعى . . . إليك ولم ينهنهني الوعيدُ
فإذا جارية مثل القمر ، قد خرجت فألقت نفسها عليه فاعتنقا . وطال ذلك ، فسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس . فلما خفت عليهما الفضيحة ، فرَّقت بينهما ، فإذا هما ميتان . فما برحت حتى صليت عليهما ودفنا . فسألت عنهما ، فقيل لي : عامر بن غالب ، وجميلة بنت أميل المزنيَّان .
وروى ابن الجوزيّ بسند يرفعه إلى محمد بن خلف قال : ذكر بعض الرواة عن العمريّ قال : كان أبو عبد الله الجيشاني يعشق صفراء العلاقمية . وكانت سوداء ، فاشتكى من حبها ، وضنى حتى صار إلى حدِّ الموت . فقال بعض أهله لمولاها : لو وجهت صفراء إلى أبي عبد الله الجيشاني ، فلعله أن يعقل إذا رآها ففعل . فلما دخلت عليه قالت له : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : بخير ما لم تبرحي قالت : ما تشتهي ؟ قال : قربك قالت : ما تشتكي ؟ قال : حبَّك قالت :

الصفحة 200