كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 201 """"""
فتوصي بشيء ؟ قال : نعم ، أوصي بك إن قبلوا مني فقالت : إني أريد الانصراف قال : فتعجلي ثواب الصلاة عليّ فقامت فانصرفت ، فلما رآها مولية تنفس الصعداء . ومات من ساعته . وروي أيضاً بسند يرفعه إلى عوانة بن الحكم أن عبد الله بن جعفر وفد إلى عبد الملك بن مروان فحدّثه ، قال : اشتريت جاريةً بعشرة آلاف درهم ، فوصفت ليزيد بن معاوية فأرسل إليّ يقول : إما أن تهديها إليّ ، وإما أن تبيعها بحكمك ، فكتبت إليه : لا تخرج والله من ملكي ببيع ولا هبة أبداً . ومكثت عندي لا أزداد لها إلا حباً . حتى أتتني عجوز من عجائزنا ، فذكرت أن بعض عُزاب المدينة يهواها ، وأنه يجيء في كل يوم متنكراً فيقف بالباب حتى يسمع غناءها . فراعيت مجيئه ليلة ، فإذا به قد أقبل متقنع الرأس حتى قعد مستخفياً فدعوت قيِّمة الجارية ، فقلت : انطلقي الساعة فأصلحي هذه الجارية بأحسن ما امكن ، وعجلي بها ، ففعلت . فقمت وقبضت على يدها وفتحت الباب وأتيت إلى الرجل فحركته فانتبه مذعوراً . فقلت : لا بأس عليك ، خذ هذه الجارية ، هي لك ، فإذا هممت ببيعها فارددها إليّ ، فدهش الفتى . فدنوت إلى أذنه فقلت : ويحك ، قد أظفرك الله عز وجل ببغيتك ، فانصرف إلى منزلك ، فإذا الفتى ميت ، فلم أر شيئاً قط أعجب من ذلك ، وهانت عليّ الجارية ، فكرهت أن أوجِّه بها إلى يزيد فيعلم حالها أو تخبره عن نفسها فيحقد ذلك عليّ . فمكثت مدّة مديدة ثم ماتت . ولا أظنها ماتت إلا كمداً وأسفاً على الفتى .
وروى ابن الجوزي أيضاً بسنده قال : حُكي عن شبابة بن الوليد العذري أن فتىً من بني عُذرة يقال له أبو مالك بن النضر ، كان عاشقاً لابنة عمّ له عشقاً شديداً . فكان على ذلك مدّةً ، ثم إنه فقد بضع عشرة سنةً ، لا يُحسُّ له خبر . قال شبابة : فأضللت إبلاً لي . فخرجت في طلبها . فبينما أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت