كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 203 """"""
وحكي عن المبرد قال : خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون . فلما قربنا من الرَّقَّة ، إذا نحن بدير كبير ، فقال لي بعض أصحابي : مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد الله تعالى على ما رزقنا من السلامة ، فدخلنا إلى الدير ، فرأينا مجانين مغلغلين ، وهم في نهاية القذارة ، فإذا فيهم شابٌ عليه بقية من ثيابٍ ناعمةٍ ، فلما بصر بنا قال : من أنتم يا فتيان ؟ حياكم الله فقلنا : نحن من العراق . فقال : بأبي العراق وأهلها بالله أنشدوني أو أنشدكم فقال المبرد : قلت : والله إن الشعر من هذا لظريف ، فقلنا : أنشدنا ، فأنشأ يقول :
الله يعلم أنَّني كمد . . . لا أستطيع أبُثُّ ما أجدُ
روحان لي : روحٌ تضمنها . . . بلدٌ وأخرى حازها بلدُ
وأرى المقيمة ليس ينفعها . . . صبر ولا يقوى لها جلدُ .
وأظنُّ غائبتي كشاهدتي . . . فكأنها تجد الذي أجدُ
قال المبرد : بالله زدنا ، فأنشأ يقول : لما أناخوا قُبيل الصُّبح عيرهم . . . ورحَّلوها فثارت بالهوى الإبلُ ،
وقلَّبت من خلال السَّجف ناظرها . . . ترنو إليّ ودمع العين منهمل ،
وودَّعت ببنانٍ عقدها عتمٌ ، . . . ناديت : لا حملت رجلاك يا جملُ
ويلي من البين ماذا حلَّ بي وبها . . . من نازل البين ؟ حان البين فارتحلوا
يا راحل العيس ، عرج كي نودِّعها . . . يا راحل العيس ، في ترحالك الأجلُ ؟
إنِّي على العهد لم أنقض مودَّتهم ، . . . يا ليت شعري بعد العهد ما فعلوا ؟