كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 205 """"""
أحمد بن كليب . وكان من أهل الأدب والشعر فاشتد كلفه بأسلم ، وفارق صبره ، وصرف فيه القول متستراً بذلك ، إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة ، وأنشدت في المحافل .
فلعهدي بعرس في بعض الشوارع والبكوري الزامر في وسط المحفل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم :
أسلمني في هوا . . . ه أسلم ، هذا الرَّشا
غزال له مقلةٌ . . . يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسدٌ . . . سيسأل عمَّا وشى
ولو شاء أن يرتشي . . . على الوصل روحي ، ارتشى ومغنٍّ محسن يسايره . فلما بلغ هذا المبلغ ، انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه . فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم نهاره كله . فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهاراً . فإذا صلى المغرب واختلط الظلام ، خرج مستروحاً ، وجلس على باب داره . فعيل صبر أحمد بن كليب . فتحيل في بعض الليالي ولبس جُبَّة من جباب أهل البادية ، واعتم بمثل عمائمهم ، وأخذ بإحدى يديه دجاجاً وبالأخرى قفصاً فيه بيض ، وجاء كأنه قدم من بعض الضِّياع ، فتقدّم إلى أسلم وقبل يده ، وقد اختلط الظلام ، وقال : يا مولاي ، من يقبض هذا ؟ فقال له أسلم : من أنت ؟ فقال : أجيرك في الضَّيعة الفلانية - وقد كان يعرف أسماء ضياعه . فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم . ثم جعل أسلم يسأله عن أحوال الضيعة ، فلما جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه ، فقال له : يا أخي وإلى ها هنا تتبعني ؟ أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب ، وعن الخروج جملةً ، وعن القعود على بابي نهاراً حتى قطعت عليّ جميع مالي في ه راحةٌ فصرت في سجنك ؟ والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ، ولا جلست بعدها على بابي ، لا ليلاً ولا نهاراً ، ثم قام . وانصرف أحمد بن كليب حزيناً كئيباً . قال محمد : واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب : وخسرت دجاجك وبيضك ؟ فقال : هات كلِّ ليل قُبلةً في يده ، وأخسر أضعاف ذلك فلما يئس من

الصفحة 205