كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 206 """"""
رؤيته البتة ، نهكته العلة وأضجعه المرض . قال محمد بن الحسن : فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال : فعُدته فوجدته بأسوأ حال . فقلت له : وما دواؤك ؟ قال : نظرةٌ من أسلم فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله جزاءك بذلك ، وآجره . قال : فرحمته وتقطعت نفسي عليه ، فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه ، فأذن لي وتلقَّاني بما يجب ، فقلت : لي حاجةٌ ، فقال : وما هي ؟ قلت : قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي . فقال : نعم ، ولكن قد تعلم أنه برّح بي ، وشهَّر اسمي وآذاني . فقلت له : كل ذلك يُغتفر في مثل هذه الحال التي هو فيها ، والرجل يموت ، فتفضل بعيادته . فقال لي : والله ما أقدر على ذلك ، فلا تكلفني هذا فقلت : لا بدَّ من ذلك فليس عليك فيه شيء ، وإنما هي عيادة مريض . قال : ولم أزل به حتى أجاب ، فقلت له : فقم الآن ، قال : لست والله أفعل ، ولكن غداً ، فقلت له : ولا خلف ، قال : نعم . فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده فسُرَّ بذلك وارتاحت نفسه . فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم ، وقلت له : الوعد ، قال : فوجم ، وقال : والله لقد تحملني على خُطَّة صعبة عليّ ، وما أدري كيف أطيق ذلك ؟ فقلت له : لا بدّ أن تفي بوعدك لي ، قال : فأخذ رداءه ونهض معي راجلاً ، فلما أتينا منزل أحمد ، وكان يسكن في درب طويل . فعند ما توسَّط الزقاق وقف واحمرّ وخجل ، وقال : يا سيدي ، الساعة والله أموت وما أستطيع أن أعرض هذا على نفسي فقلت : لا تفعل بعد أن بلغت المنزل ، قال : لا سبيل والله إلى ذلك البتَّة ورجع هارباً فاتَّبعته وأخذت بردائه ، فتمادى وتمزق الرداء وبقيت قطعة منه في يدي لشدّة إمساكي له . ومضى ولم أدركه . فرجعت ودخلت على أحمد ، وكان غلامه قد دخل عليه لما رآنا من أوّل الزقاق مبشِّراً . فلما رآني تغير وجهه وقال : أين أبو الحسن ؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع . فاستبشعت الحال وجعلت أتوجَّع وقمت ، فثاب إليه

الصفحة 206