كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 207 """"""
ذهنه ، وقال لي : يا أبا عبد الله ، قلت : نعم ، قال : اسمع مني ، واحفظ عني ، وأنشأ يقول :
أسلم ، يا راحة العليل . . . رفقاً على الهائم النَّحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي . . . من رحمة الخالق الجليلِ
قال : فقلت له : اتق الله ، ما هذه العظيمة ؟ قال : قد كان ، فخرجت عنه فو الله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا .
وهذه الحكاية مشهورة عند أهل الأندلس . وأسلم هذا من بني خالد وكانت فيهم وزارة وحجابة . وهذا الباب طويل والحكايات والأخبار والوقائع فيه كثيرة يطول الشرح بذكرها . وأما من قتل نفسه بسبب العشق ، فحكي عن عبد الرحمن بن إسحاق القاضي قال : انحدرت من سُرَّ من رأى مع محمد بن إبراهيم أخي إسحاق ، ودجلة تزخر من كثرة مائها . فلما سرنا ساعةً ، قال : ارفقوا بنا ، ثم دعا بطعامه فأكلنا ، ثم قال : ما ترى في النبيذ ؟ قلت له : أعز الله الأمير ، هذه دجلة قد جاءت بمدّ عظيم يرغب مثله ، وبينك وبين منزلك مبيت ليلة ، فلو شئت أخرته ، قال : لا بدّ لي من الشراب ، واندفعت مغنيةٌ فغنت ، واندفعت أخرى فغنته :
يا رحمتاً للعاشقينا ، . . . ما إن لهم معينا
كم يشتمون ويضربو . . . ن ويهجرون ، فيصبرونا
فقالت لها المغنية الأولى : فيصنعون ماذا ؟ قالت : يصنعون هكذا ، ورفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة . وكان بين يدي محمد غلام ذكر أن شراءه ألف دينار ، بيده مذبَّة ، لم أر أحسن منه . فوضع المذبة من يده وقذف بنفسه في دجلة ، وهو يقول :
أنت التي غرَّقتني . . . بعد الفضا ، لو تعلمينا

الصفحة 207