كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 208 """"""
فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما ، فصاح بهم محمد : دعوهما يغرقا إلى لعنة الله قال : فرأيتهما وقد خرجا معتنقين ثم غرقا .
وحكي عن جميل بن معمر العذريّ أن قال : دخلت على عبد الملك بن مراون فقال لي : يا جميل حدّثني بعض أحاديث بني عذرة ، فإنه بلغني أنهم أصحاب أدب وغزل ، فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، انتجعوا من حيِّهم مرة فوجدوا النُّجعة بموضع نازح فقطنوه . فخرجت أريدهم . فبينما أنا أسير ، غلطت الطريق وجنَّ عليّ الليل ، فلاح لي باب فقصدته . فوردت على راعٍ في أصل جبل قد ألجأ غنمه إلى كهف في الجبل ، فسلمت عليه ، فرد عليّ السلام ، وقال : أحسبك قد ضللت الطريق ؟ قلت : قد كان ذلك ، فأرشدني قال : بل انزل حتى تريح ظهرك ، وتبيت ليلتك ، فإذا أصبحت وقفتك على القصد . فنزلت فرحب بي وأكرمني ، وعمد إلى شاة فذبحها ، وأجّج ناراً ، وجعل يشوي ويلقي بين يديّ ، ويحدّثني في خلال ذلك . ثم قام إلى كساء فقطع به جانب الخباء ومهد لي جانباً ، ونزل جانباً خالياً . فلما كان في الليل سمعته يبكي ويشكو إلى شخص . فأرقت ليلتي . فلما أصبحت ، طلبت الإذن فأبى ، وقال : الضيافة ثلاث فأقمت عنده ، وسألته عن اسمه ونسبه وحاله ، فانتسب لي . فإذا هو من بني عذرة ، من أشرافهم . فقلت : يا هذا ، وما الذي أحلَّك هذا الموضع ؟ فأخبرني أنه كان يهوى ابنة عمّ له وتهواه ، وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها لقلة ذات يده ، وأنه زوجها رجلاً من بني كلاب فخرج بها عن الحيّ وأسكنها في موضعه ذلك ، وأنه تنكر ورضي أن يكون راعياً لتأتيه ويراها . وجعل يشكو إليّ صبابته بها وعشقه لها . فلما أبطأت عن الوقت المعتاد وغلبه الشوق ، وثب قائماً وأنشأ يقول :
ما بال ميَّة لا تأتي لعادتها . . . أهاجها طربٌ أم صدَّها شُغُلُ ؟
لكنّ قلبي لا يلهيه غيرهم . . . حتى الممات ، ولا لي غيرهم أملُ
لو تعلمين الَّذي بي من فراقكم . . . لما اعتللت ولا طابت لك العللُ