كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 209 """"""
روحي فداؤك قد هيَّجت لي سقماً . . . تكاد من حرِّه الأعضاء تنفصلُ
لو أن عاديَّه منِّي على جبلٍ ، . . . لزال وانهدّ من أركانه الجبلُ
ثم قال : يا أخا بني عذرة ، مكانك حتى أعود إليك فما أتوهم أن أمر ابنة عمِّي صحيح ثم مضى . فما لبث أن أقبل وعلى يده شيء محمول ، وقد علا شهيقه ونحيبه ، فقال : يا أخا بني عذرة ، هذه ابنة عمي ، أرادت أن تأتيني فاعترضها الأسد فأكلها ثم وضعها عن يده ، وقال : على رسلك حتى أعود إليك ، ومضى فأبطأ حتى يئست من رجوعه . ثم أقبل ورأس الأسد على يده ، فألقاها وجعل ينكت على أسنان الأسد ويقول :
ألا أيُّها الليث المخيل بنفسه . . . هلكت لقد حرَّت يداك لنا حُرتا
وغادرتني فرداً وقد كنت آلفاً . . . وصيَّرت بطن الأرض ثم لنا سجنا
أقول لدهرٍ خانني بفراقه : . . . معاذ إلهي أن أكون له خدنا
ثم قال : يا أخا بني عذرة ، إنك ستراني بين يديك ميتاً فإذا متُّ فاعمد إليّ وابنة عمِّي ، فأدرجنا في كفن واحد ، واحفر لنا جدثاً واحداً ، وادفنا فيه ، واكتب على قبري هذين البيتين :
كنا على ظهرها ، والعيش في مهلٍ . . . والشمل يجمعنا والدار والوطن ففرق الدهر والتصريف ألفتنا . . . فصار يجمعنا في بطنها الكفن .
وردَّ الغنم إلى صاحبها وأعلمه بقصتنا ، ثم عمد إلى خناق فطرحه في عنقه ، فناشدته الله تعالى أن لا يفعل ، فأبى وجعل يخنق نفسه حتى سقط ميتاً . فكفنتهما ودفنتهما في قبر واحد ، وكتبت البيتين على قبرهما ، ورددت الغنم إلى صاحبها ، وأعلمته بقصتهما فحزن حزناً شديداً أشفقت منه على نفسه .